ابن حزم

457

الاحكام

الصوم إلا الإباحة بالندب ، ونسخ المنع من القتال بإيجابه ونسخ فرض استقبال بيت المقدس بالتحريم ، وقد نسخ فرض بفرض آخر ، كنسخ حبس الزواني إلى الجلد والرجم ، أو الجلد والتغريب . فصل في آية ينسخ بعضها ، ما حكم سائرها ؟ قال أبو محمد : إذا جمعت الآية أو الحديث حكمين فصاعدا ، فجاء نص أو إجماع بنسخ أحد الحكمين ، أو تخصيصه أو إخراجه إلى الندب ، وقف عنده ، ولم يحل لمسلم أن يقول : إن الحكم الآخر منسوخ من أجل هذا الحكم المذكور معه في الآية أو الحديث ، ولا أنه مخصوص ، ولا أنه ندب ، بل يبقى على حكمه كما كان ، وعلى ما يوجبه ظاهره لقول الله عز وجل : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) * . ومن ادعى أن هذا الحكم مرتبط بيانه أو نسخه بحكم آخر فقد افترى على الله عز وجل ، وادعى ما لا دليل عليه ، ولزمه أن متى وجد في سورة واحدة آية منسوخة ، أن يقول : إن تلك السورة منسوخة كلها من أجل الآية المنسوخة منها ، ولزمه ما هو أفحش من هذا ، وهو أن يقول : إن القرآن كله منسوخ من أجل وجوده فيه أحكاما كثيرة منسوخة . ولا فرق بين عطف حكم على حكم وبين عطف آية على آية ، ولا فرق بين ذكر حكمين في آية ، وبين ذكرهما في سورة ، فإذا وجب أن يكون أحد الحكمين المذكورين في الآية منسوخا لزم مثل ذلك في أحكام السورة كلها ، لان الحكم المذكور معها منسوخ أيضا ولا فرق ، وهذا إبطال للشريعة جملة وخروج عن الاسلام ومن الله تعالى العافية علينا من ذلك ، وبالله تعالى التوفيق . قال أبو محمد : مثال ذلك قوله تعالى : * ( واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) * ثم نسخ تعالى الامساك في البيوت وأثبت استشهاد الأربعة . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي وحلوان الكاهن وكسب الحجام وثمن الكلب ، فخرج كسب الحجام عن التحريم بحديثه عليه السلام أطعمه رقيقك وناضحك ، فيلزم من خالفنا أن يبيح من أجل ذلك مهر البغي