ابن حزم
453
الاحكام
أو المحارب ، ولو لم يأمرنا بالرحمة لما وجبت أيضا . كما أننا نضجع الخروف الصغير ونذبحه ونطبخ لحمه ونأكله ونفعل ذلك أيضا بالفصيل الصغير ، ونثكل أمه إياه ، ونولد عليها من الحنين والوله أمرا ترق قلوب سامعيه له ، وتؤلم نفوس مشاهديها ، وقد شاهدنا كيف خوار البقر وفعلها إذا وجدت دم ثور قد ذبح ، وكل هذا حلال بلا مأمور به ويكفر من لم يستحله ، ويجب بذلك سفك دمه ، فأي فرق في العقول بين هذا وبين ذبح صبي آدمي لو أبيح لنا ذلك ؟ وقد جاء في بعض الشرائع أن موسى عليه السلام أمر في أهل مدين إذا حاربهم بقتل جميع أطفالهم أولهم عن آخرهم من الذكور ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين يصابون في البيات ، فقال : هم من آبائهم فهل في هذا كله شئ غير الأمور الواردة من الله عز وجل ؟ وقد قال قوم : إذا جاء أمر بشريعة ما ، وجاء على فعلها وعد وعلى تركها وعيد ثم نسخ ذلك الامر ، فقد نسخ الوعد والوعيد عليه . قال أبو محمد : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : لم ينسخ الوعد ولا الوعيد لأنهما إنما كانا متعلقين بثبات ذلك الامر لا على الاطلاق ، وإنما يصح النسخ فيها لو بقي ذلك الامر بحبسه ، ثم يأت خبر بإسقاط ذلك الوعيد ، وهذا ما لا سبيل إليه بعد ورود الخبر به . ولا نسخ في الوعد ولا في الوعيد البتة ، لأنه كان يكون كذبا وإخلافا وقد تنزه الله تعالى عن ذلك ، ولكن الآيات والأحاديث الواردة في ذلك مضموم بعضها إلى بعض ، ولا يجوز أن نقتصر منها على بعض دون بعض ، على ما بينا في كتاب الفصل ، وبالله تعالى التوفيق . قال أبو محمد : وقد غلط قوم غلطا شديدا ، وأتوا بأخبار ولدها الكاذبون والملحدون ، منها أن الداجن أكل صحيفة فيها آية متلوة فذهب البتة ، ومنها أن قرآنا أخذه عثمان بشهادة رجلين ، وشهادة واحدة ، ومنها أن قراءات كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقطها عثمان ، وجمع الناس على قراءة واحدة . قال أبو محمد : وهذا كله ضلال نعوذ بالله منه ومن اعتقاده ، وأما الذي لا يحل اعتقاد سواه فهو قول الله تعالى : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * فمن شك في هذا كفر ، ولقد أساء الثناء على أمهات المؤمنين ووصفهن بتضييع