ابن حزم

445

الاحكام

فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه قال أبو محمد : أنكر بعض اليهود النسخ جملة ، وقد تكلمنا في هذا في كتابنا الموسوم بالفصل ونعيد ههنا منا ما يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى . فنقول وبالله تعالى التوفيق : إن منكري النسخ قالوا : ليس من الحكمة أن يأمر الله تعالى بشئ أمس ثم ينهى عن مثله اليوم ، وهذا من نظائر قول أصحابنا بالعلل ، وهؤلاء قوم يتعقبون على ربهم تعالى ، فيقال لهم : أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به ؟ أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر به لكانت تبطل حكمته ؟ أو لو أمر بغير ما أمر به لكانت تبطل حكمته ؟ أو ترون إذ قدس الأرض المقدسة ، ولعن أريحا ، ولعن أورشليم أكان ذلك مفسدا لحكمته ؟ وإذ حظر العمل في السبت وأباحه في الأحد ، أرأيتم لو عكس الامر أكان ذلك مبطلا لحكمته ؟ فإن راموا فرقا بين شئ من ذلك لحقوا بالمجانين ، وجاهروا بما لا يفهم وبما يعلم بطلانه . ثم يقال لهم : أليس الله تعالى قد ملك قوما من الكفار العصاة الظلمة ومكنهم وأذل قوما من الكفار العصاة الظلمة وملك غيرهم رقابهم ، وملك قوما صالحين فضلاء مؤمنين ، ومكنهم وبسط أيديهم ، وأذل قوما صالحين فضلاء مؤمنين وملك غيرهم رقابهم ، ومد أعمار قوم كفار طغاة ، واخترم آخرين منهم قبل بلوغ الاكتهال ، وفعل مثل ذلك بقوم مؤمنين أفاضل ، ومكن قوما عصاة مردة من البيان والكلام في العلوم حتى أضلوا أمما من الخلق ، وجعل آخرين منهم بلداء أغبياء ، وفعل مثل ذلك أيضا بالمؤمنين سواء بسواء ، فما الذي جعل هذا حكمه دون عكس كل ذلك ؟ وما الفرق بين هذا من أفعاله تعالى وبين أن يأمر اليوم بأمر ثم ينهى عن مثله غدا ؟ وما يفرق بين كل ما ذكر إلا عديم عقل أو وقح سخيف . فإن قالوا : إن هذا هو البداء لزمهم مثل ذلك في كل ما ذكرنا آنفا ، وفي إحيائه من يحيي ثم إماتته ، وفي إغنائه من يغني ثم إفقاره وفي تصحيحه جسم من يرزقه العافية ثم يمرضه ، وفي الهرم بعد الفتوة .