ابن حزم
433
الاحكام
ذلك القول قد ارتفع ، لأنه عليه السلام لا يفعل شيئا محرما ، ولا يجوز أن يقال في شئ فعله عليه السلام أنه خصوص له إلا بنص في ذلك ، لأنه عليه السلام قد غضب على من قال ذلك ، وكل شئ أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حرام ، وذلك مذكور في حديث الأنصاري الذي سأله عن قبلة الصائم ، فأخبره عليه السلام أنه يفعل ذلك ، فقال الأنصاري : يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بما آتي وما أذر أو كما قال عليه السلام . فلا يحل لاحد بعد هذا أن يقول في شئ فعله عليه السلام : إنه خصوص له ، إلا بنص مثل النص الوارد في الموهبة بقوله تعالى : * ( خالصة لك من دون المؤمنين ) * ، ومثل وصاله عليه السلام في الصوم ، وقوله ناهيا لهم : إني لست كهيئتكم ، ومثل نومه - عليه السلام وصلاته دون تجديد وضوء ، فسئل عليه السلام عن ذلك ، فقال : عيناي تنامان ولا ينام قلبي فما جاء فيه بيان كما ذكرنا فهو خصوص ، وما لم يأت فيه نص كما قلنا فلنا أن نتأسى به عليه السلام ، ولنا في ذلك الاجر الجزيل ، ولنا أن نترك غير راغبين عن ذلك فلا نأثم ولا نؤجر . فمما جاء كما ذكرنا : نهيه عليه السلام عن الصلاة قائما ، إذا صلى الامام جالسا ، ثم هو عليه السلام صلى جالسا في مرضه الذي مات فيه ، وصلى أبو بكر مذكرا إلى جانبه قائما فأقر ، فعلمنا أن ذلك نسخ لايجاب الجلوس عن المذكر خاصة ، فإن شاء صلى جالسا ، وذلك أفضل عندنا ، وإن شاء قائما ، كل ذلك جائز حسن . وكذلك قلنا في حضه عليه السلام على صيام يوم عرفة ، ثم أفطر عليه السلام فيه ، فقلنا : صيامه أفضل للحاج وغيره ، وإفطاره مباح حسن ، وقد روت عائشة : أنه عليه السلام كان يترك الفعل وهو يحبه ، خشية أن يفعله الناس فيفرض عليهم ، كما فعل عليه السلام في قيام الليل في رمضان ، قام ثم ترك خوفا أن يفرض علينا . وإنما قلنا هذا لئلا يقول جاهل : أيجوز أن يترك عليه السلام الأفضل ،