ابن حزم
416
الاحكام
كل ما لم يأتنا نص أنه خرق تعالى فيه ما قد تمت به كلماته من المعهودات ، فهو مكذب ، كما أن لكل مدع ما لم يأت بدليل فهو مبطل ، وكذلك قوله تعالى : * ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) * فإنه تعالى سمى حركة السفينة جريا ، وحركة السفينة اضطرارية ، وهذا مما قلنا من أنه تعالى يسمي ما شاء بما شاء ، فهو خالق الأسماء والمسميات كلها ، حاشاه لا إله إلا هو وأما قوله تعالى : * ( وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم ) * فإنما عن تعالى حب العجل ، على ما ذكرنا من الحذف الذي أقيم لفظ غيره مقامه ، وأما قول تعالى : * ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) * وهو عندنا حقيقة وإنطاق لها . وقد احتج علينا قوم بقول الله تعالى : * ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) * . قال علي : وهذا أيضا عندنا على الحقيقة ، وأن الله تعالى وضع فيها التمييز إذ خيرها ، فلما أبت حمل الشرائع وأشفقت من تحمل الأمانة سلبها إياه ، وسقطت الكلف عنها ، وممكن أن يكون على نقل اللفظ أيضا ، والمراد بذلك أنها لم يحملها إذا لم يركب تعالى فيها قوة الفهم والعقل ، ولا النفس المختارة المميزة . وهذا موجود في كلام العرب وأشعارها ، فإن العرب تقول إذا أرادت أن تمدح : أبى ذلك سؤددك ، وإذا أرادت الذم : أبى ذلك لؤمك ، أي إن سؤددك غير قابل لهذه الفعلة لمضادتها له ، وكذلك في الذم أي إن لؤمك غير قابل لهذه المكرمة لمضادتها له ، فعلى هذا كانت إباية السماوات والأرض لا على ما سواه إلا أن الأول أصح وبه نقول . وإنما فرقنا بين هذا في هذا الوجه ، وبين ما قلنا آنفا في إنطاق جهنم ، لان كلام الله عز وجل كله عندنا بيان لنا ، وجار على معهود ما أوجبه فهمنا بإدراك عقولنا وحواسنا ، وإنما قلنا ذلك لقول الله عز وجل : * ( وجعل لكم السمع والابصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) * وحضنا تعالى على التفكير والتدبر للقرآن ، وأخبرنا بأنه بيان لنا ، وكل ذلك يكون إلا بما تميزه عقولنا ، لا بما يضادها ، فلما صح ذلك كله ، وأدانا التدبير والبصر والسمع والعقل إلى أن السماوات جمادات لا تعقل ، وأن الأرض كذلك ، وأن حد النطق هو التمييز للأشياء ، وأن التمييز لا يكون إلا