ابن حزم
408
الاحكام
واحد فلم يكمل بعد أمرها حتى ينقضي الكلام ، فإذا جاء بعقبها استثناء فقد صح الاستثناء يقينا ، وإذا صح يقينا فقد حصل التخصيص بالنص ، وصار الاقتصار به على بعض ما قبله دون بعض دعوى مجردة لا دليل عليه ، فإن قال قائل : فإن رده على أقرب ما يليه يقين ، ورده على كل ما قبله شك ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : ليس شكا إذا قام الدليل على صحته ، بل هو يقين ، وأيضا فظاهر اللفظ رده على كل ما قبله ، وتخصيص الظاهر بلا دليل لا يجوز . قال علي : وكذلك نقول في آية القذف في قوله تعالى : * ( وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ) * راجع إلى كل ما تقدم ، ومسقط للفسق عنهم ، وموجب لقبول شهادتهم ، فإن قال قائل : فهلا أسقطتم به الحد ، قلنا : منع من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لقاذف امرأته : البينة وإلا فحد في ظهرك ، لأنه عليه السلام لم يسقط الحد إلا ببينة لا بالتوبة ، وقد حد حمله ومسطحا في قذفهم عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، ولا شك في توبتهم حين نزول الآية ببراءتها ، ولو لم يتوبوا لارتدوا وكفروا ولحلت دماؤهم ، فصح أنهم حدوا بعد يقين توبتهم . وكذلك قلنا في قوله تعالى : * ( فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا ) * . فلولا بيان الاستثناء أنه مردود إلى الأهل فقط ، لسقطت به الرقبة ولكن لا حق للأهل في الرقبة ولا صدقة لهم فيها ، وقد قال تعالى * ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) * . وكذلك قلنا في قوله عز وجل : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) * فهذا الاستثناء مردود على المخاطبين أنفسهم ، وهذا القليل عندنا مستثنى من الفضل والرحمة ، لا من اتباع الشيطان ، والآية على ظاهرها دون تكلف تأويل ، ومعناها : أن الله رحمكم وتفضل عليكم حاشا قليلا منكم لم يرحمهم ولا تفضل عليهم ، وهم الكفار منكم والمنافقون الذين فيكم ، فلم تتبعوا الشيطان بفضل الله تعالى ورحمته ، وأما الذين لم يتفضل الله عليهم ولا رحمهم فاتبعوا الشيطان ، وهذا الذي قلنا هو العيان المشهود والنص المسموع ، فإن الأقل من المخاطبين الحاضرين مع الصحابة رضي الله عنهم كانوا