ابن حزم

543

الاحكام

قال أبو محمد : ولئن كان ما اشتهر من قول طائفة من الصحابة أو التابعين ، ولم يعرف له خلاف - إجماعا فيما في الأرض أشد خلافا للاجماع ممن قلدوه دينهم مالك والشافعي ، وأبي حنيفة ، ولقد أخرجنا لهم مئين من المسائل ليس منها مسألة إلا ولا يعرف أحد قال بذلك القول قبل الذي قال من هؤلاء الثلاثة فبئس ما وسموا به من قلدوه دينهم . وقد ذكر محمد بن جرير الطبري أنه وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الاجماع . وهكذا القول حرفا حرفا في أقوال ابن أبي ليلى ، وسفيان والأوزاعي وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زيادة وأشهب وابن الماجشون والمزني وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد بن جرير ، ما منهم أحد إلا وقد صحت عنه أقوال في الفتيا لا يعلم أحد من العلماء قالها قبل ذلك القائل ممن سمينا . وأكثر ذلك فيما لا شك في انتشاره واشتهاره . ثم ليعلموا أن كل فتيا جاءت عن تابع لم يرو عن صاحب في تلك المسألة قول ، فإن ذلك التابع قال فيها بقول ، ولا يعرف أن أحدا قاله ، فالتابعون على هذا القول الخبيث مخالفون للاجماع كلهم أو أكثرهم ، ومخالف الاجماع عند هؤلاء الجهال كافر ، فالتابعون على قولهم كفار ، ونعوذ بالله العظيم من كل قول أدى إلى هذا . واعلموا أن الذي يدعي ويقطع بدعوى الاجماع في مثل هذا ، فإنه من أجهل الناس بأقوال الناس واختلافهم . وحسبنا الله ونعم الوكيل ، فظهر كذب من ادعى أن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع ، وبالله تعالى التوفيق . وأعجب شئ في الدنيا أنهم يدعون في مثله هذا أنه إجماع ، ثم يأتون إلى الاجماع الصحيح المقطوع به المتيقن ، فيخالفونه جهارا ، وهو : أنه لا شك عند أحد من أهل العلم أنه لم يكن قط في عصر الصحابة رضي الله عنهم أحد أتى إلى قول صاحب أكبر منه ، فأخذ به كله ، ورد لقوله نصوص القرآن وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يحتال لنصره بكل ما أمكنه من حق أو باطل أو مناقضة . ثم لا شك عند أحد من أهل العلم في أنه لم يكن قط في عصر التابعين أحد أتى إلى قول تابع أكبر منه ، أو إلى قول صاحب فأخذ به كله ، كما ذكرنا ، ثم لا خلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لم يكن في القرن الثالث أحد أتى إلى