ابن حزم

405

الاحكام

قالوا : فإن كان مقدار ذلك أكثر من الثلث مما هو فيه ، لم يجز بيعه إن كان فضة بفضة أصلا ، وإن كان ذهبا بذهب أصلا ، قالوا : والسكين بخلاف الحلي والسيف المصحف في ذلك . قال علي : فمرة كما ترى يجعلونه الثلث قليلا ، ومرة يجعلونه كثيرا ، ومرة يجعلون النصف قليلا ، ومرة يجعلون ما زاد على العشر كثيرا ، تحكما بآرائهم الفاسدة بلا دليل ، وإن سماع هذه القضايا الفاسدة التي لم يأذن بها الله عز وجل لعبرة لمن اعتبر ، وآية لمن تفكر ، والعجب يتضاعف من قوم قبلوا ذلك ودانوا به كما ترى وتركوا له دلائل القرآن والسنة ونصوصهما ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . قال علي : وقد جاء في نص القرآن استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل بعد ذلك ، فبطل كلام كل من خالفه ، قال الله عز وجل لإبليس : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ) * وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا في الأمم التي تدخل النار ، كالشعرة السوداء في الثور الأبيض ، وأنه عليه السلام يرجو ان يكون نصف أهل الجنة ، وأن بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار ، واحد إلى الجنة ، هذا حكم جميع ولد آدم عليه السلام ، ويكفي من ذلك قوله تعالى : * ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) * فقد استثنى الغاوين من جملة الناس وهم أكثر الناس ، فاستثنى كما ترى ألفا غير واحد من ألف . قال علي : وأيضا فإن الاستثناء إنما هو إخراج للشئ المستثنى ، مما أخبر به المخبر عن الجملة المستثنى منها ، ولا فرق بين إخراجك من ذلك الأكثر ، وبين إخراجك الأقل ، وكل ذلك خبر يخبر به ، فالخبر جائز عن الأكثر كجوازه عن الأقل ، ولا يمنع من ذلك إلا وقاح معاند أو جاهل ، وأيضا فلا شك بضرورة التمييز أن عشرة آلاف أكثر من عشر آلاف حاشا واحدا ، فإذا كان ذلك فعشرة آلاف غير واحد قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف كاملة ، وإذا كان ذلك فاستثناء القليل من الكثير جائز لا تمانع فيه . وأيضا فإنه لا فرق بين قول القائل ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين ، وبين قوله ، واحد ، ولا فرق بين قول القائل : سبعمائة وثلاثمائة ، وبين قوله : ألف ، وهذا كله من المتلائمات وهي