ابن حزم

521

الاحكام

إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى ، أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى ، ولا فرق ، وتالله إن من أجاز هذا غافلا ثم وقف عليه وعلى برهان المنع من ذلك وأصر ، فإنه خروج عن الاسلام لا شك فيه ، لأنه تكذيب لله تعالى في قوله الصادق لنا : * ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) * وفي قوله الصادق : * ( إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ئ ثم إن علينا بيانه ) * فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذي أنزله الله تعالى عليه وجمعه . فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى ، وهذه ردة صحيحة لا مرية فيها ، وما رامت غلاة الروافض وأهل الالحاد الكائدون للاسلام إلا بعض هذا . وهذه الآية تبين ضرورة أن جميع القرآن كما هو من ترتيب حروفه وكلماته وآياته وسوره ، حتى جمع كما هو ، فإنه من فعل الله عز وجل وتوليه جمعه ، أوحى به إلى نبيه عليه السلام ، وبينه عليه السلام للناس ، فلا يسع أحدا تقديم مؤخر من ذلك ، ولا تأخير مقدم أصلا . ونحن نبين فعل عثمان رضي الله عنه ذلك بيانا لا يخفى على مؤمن ، ولا على كافر ، وهو أنه رضي الله عنه علم أن الوهم لا يعزى منه بشر ، وأن في الناس منافقين يظهرون الاسلام ويكنون الكفر ، هذا أمر يعلم وجوده في العالم ضرورة ، فجمع من حضره من الصحابة رضي الله عنهم على نسخ مصاحف مصححة كسائر مصاحف المسلمين إلى كل مصر مصحفا يكون عندهم ، فإن وهم وأهم في نسخ مصحف ، أو وتعمد ملحد تبديل كلمة في المصحف ، أو في القراءة ، رجع إلى المصحف المشهور المتفق على نقله ونسخه . فعلم أن الذي فيه هو الحق ، وكيف كان يقدر عثمان على ما ظنه أهل الجهل ؟ والاسلام قد انتشر من خراسان إلى برقة ، ومن اليمن إلى أذربيجان ، وعند المسلمين أزيد من مائة ألف مصحف ، وليست قرية ولا حلة ولا مدينة إلا والمعلمون للقرآن موجودون فيها ، يعلمونه من تعلمه ، من صبي أو امرأة ، ويؤمهم به في الصلوات في المساجد . وقد حدثني يونس بن عبد الله بن مغيث قال : أدركت بقرطبة مقرئا يعرف بالقرشي ، أحد مقرئين ثلاثة للعامة كانوا فيها ، وكان هذا القرشي لا يحسن النحو فقرأ عليه قارئ يوما في سورة ق : * ( وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت