ابن حزم
513
الاحكام
فيه ، هو مخطئ معذور مأجور مرة ، كمن أسلم ولم يبلغه فرض الصلاة ، أو كمن أخطأ في القرآن الذي لا إجماع كالاجماع عليه ، فأسقط آية أو بدل كلمة أو زادها غير عامد ، لكنه مقدر أنه كذلك ، فهذا لا إثم عليه ولا حرج . وهكذا في كل شئ ومن عمد فخالف ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير مسلم بقلبه أو بلسانه أنه كحكمه عليه السلام فهو كافر ، سواء كان فيما أجمع عليه أو فيما اختلف فيه قال تعالى : * ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) * وإن خالف ما صح عنده من ذلك بعلمه ، وسلم له بقلبه ولسانه ، فهو مؤمن فاسق ، كالزاني وشارب الخمر وسائر العصاة ، سواء كان مما أجمع عليه أو مما اختلف فيه . فهذه الحقائق التي لا يقدر أحد على معارضتها ، لا الأقوال المموهة وبالله تعالى التوفيق . فصل وأما في من قال بمراعاة انقراض العصر في الاجماع ، فمن أحسن قول قيل . لأن عصر الصحابة رضي الله عنهم ، اتصل مائة عام وثلاثة أعوام . لأن سمية أم عامر رضي الله عنها ماتت في أول الاسلام ، ثم لم يزالوا يموت منهم من بلغ أجله ، كأبي أمامة وخديجة وعثمان بن مظعون وقتلى بدر وأحد وأهل البعوث ، عاما عاما . ومن مات في خلال ذلك ، إلى أن مات أنس سنة إحدى وتسعين من الهجرة ، وكان عصر التابعين مداخلا لعصر الصحابة رضي الله عنهم ، لأنه لما أسلم الاثنا عشر رجلا من الأنصار رضي الله عنهم ، قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر كاملة لأنهم أسلموا في ذي الحجة في أيام الحج - وحملوا مع أنفسهم مصعب بن عمير رضي الله عنه معلما لهم القرآن والدين ، وبقوا كذلك تمام عام ، ثم حج منهم سبعون مسلما وثلاث نسوة مسلمات - كلهم يعرف اسمه وحسبه - وهم أهل بيعة العقبة ، وتركوا بالمدينة إسلاما كثيرا فاشيا ، يتجاوز المائتين من الرجال والنساء ثم هاجر صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول . فلا شك في أنه قد مات في تلك الخمسة عشر شهرا منهم موتى من نساء ورجال ، لأنهم أعداد عظيمة وكلهم من جملة التابعين - وهم الجمهور - إلا من شاهد منهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم الأقل .