ابن حزم
510
الاحكام
فعارضه المخالف فقال : إن الامر وإن كان كذلك ، فمع ذلك فقد كان يمكن أن يخالف الوحي متأولا باجتهاده كما فعل عمر وخالد وأبو السنابل وغيرهم ، فإن لم يعتد هذا خلافا ، لأنه وهم من صاحبه ، فلا يعتبر خلاف أحد من أهل الاسلام للنص - إذا خالفه متأولا باجتهاده - لان كل مسلم كان أو يكون فإنه مسلم لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم به ، وإن خالف بعد ذلك متأولا باجتهاده مخطئا ، قاصدا إلى الخير في تقديره فقد صار على هذا القول كل حكم إجماعا وبطل الاختلاف . قال أبو محمد : وهذا اعتراض غير صحيح ، ولا يمنع مما أوجبه أبو سليمان من أن من بعد الصحابة إنما هم بعض المؤمنين - لا كلهم لان كل حكم نزل من الله تعالى بعد موت من مات من الصحابة رضي الله عنهم ، فلم يكلفوا قط ألا يخالفوا فقط أن لا يخالفوا ذلك الحكم ، لأنه لم يبلغهم ، وإنما يلزمهم الحكم بعد بلوغه . قال الله عز وجل : * ( لأنذركم به ومن بلغ ) * وإنما كان يراعي إجماعهم عليه ، أو خلافهم له لو بلغهم ، وليس من بعدهم - إذا بلغ الحكم - كذلك ، بل إن اتبعوه لقد أجمعهم عليه ، ومن خالفه منهم مجتهدا فقد وجب الاختلاف في ذلك الحكم . وأما قوله : إن عد الصحابة رضي الله عنهم كان محصورا ، ممكنا جمعه وممكنا ضبط أقوالهم ، وليس كذلك من بعدهم ، فإنما كان هذا إذا كانوا كلهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تفرقهم في البلاد ، وأما بعد تفرقهم فالحال في تعذر حصر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم سواء ولا فرق ، هذا أمر يعرف بالمشاهدة والضرورة . قال أبو محمد : وأما من قال : إن إجماع أهل كل عصر فهو إجماع كل صحيح ، فقول الباطل لما ذكرنا من أنهم بعض المسلمين لا كلهم ، لكنه حق لما ذكرنا قبل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى أن يأتي أمر الله . قال أبو محمد : ونحن - إن شاء الله - مبينون كيفية الاجماع بيانا ظاهرا يشهد له الحس والضرورة ، وبالله تعالى التوفيق . فنقول : إن الاجماع - الذي هو الاجماع المتيقن ولا إجماع غيره - لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى ، لكن ينقسم قسمين : أحدهما : كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الاسلام ، في أن من لم يقل به فليس مسلما ، كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله : وكوجوب