ابن حزم
508
الاحكام
وقال بعض الشافعيين : إنما يكون إجماعا إذا اشتهر ذلك القول فيهم وانتشر ، ولم يعرف له منهم مخالف ، وأما إذا لم يشتهر ولا انتشر فليس إجماعا ، بل خلافه جائز . ثم ههنا أقوال هي داخلة في باب الهوس إن سلم أصحابها من القصد إلى التلاعب بالدين ، كقول بعض الحنفيين : ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد ، وأن اختيارات الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق راهويه وأبي ثور وداود بن علي وسائر العلماء - شذوذ خرق الاجماع . وكقول بكر بن العلاء القشيري المالكي : إن بعد سنة مائتين قد استقر الامر ، وليس لاحد أن يختار ، وكقول إنسان ذكره أبو ثور في رسالة له ورد عليه وكان قوله : إنه ليس لأحد أن يخرج عن اختيارات الأوزاعي وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح . قال أبو محمد : أصناف الحمق أكثر من أصناف التمر ، ويكفي في بطلان كل قول من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى : * ( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) * وقوله تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) * فصح أنه لا برهان في الدين إلا ما حده الله تعالى ، وأن حدود الله ليست إلا في كلامه ، وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وأن من لم يأت في قوله في الدين ببرهان - من القرآن وأن حكم مستند ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فليس من الصادقين ، بل هو كاذب آفك ضال مضل ، وبالله تعالى التوفيق ، إلا أنه لا بد - بحول الله تعالى - من بيان شبه هذه الأقوال الفاسدة ، التي قد عظم خطأ أهلها وكثر اتباعها ، لعل الله تعالى يهدي بهداه لنا أحدا - فيكون خيرا لنا من حمر النعم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وما توفيقنا إلا بالله ، وهو حسبي ونعم الوكيل . واعلموا أن جميع هذه الفرق متفقة على أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم إجماع صحيح ، وقائلون بأن كل ما اشتهر فيهم رضي الله عنهم ، ولم يقع منهم نكير له ، فهو إجماع صحيح ، فاعلموا أن إجماع هذه الفرق على ما ذكرنا ، حاكم لنا عليهم ، وموجب لنا أننا المتبعون للاجماع ، وأن مخالفينا كلهم مخالفون للاجماع بإقرارهم ، والحمد لله رب العالمين ، كما نذكر في الباب المتصل بهذا إن شاء الله تعالى .