ابن حزم
495
الاحكام
وحق مقطوع به في دين الله عز وجل . ثم اختلفنا ، فقالت طائفة : هو شئ غير القرآن وغير ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه : أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه ، لكن برأي منهم أو بقياس منهم عن منصوص . وقلنا نحن : هذا باطل ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص - من قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يبين في أي قول المختلفين هو الحق ، لا بد من هذا فيكون من وافق ذلك النص ، هو صاحب الحق المأجور مرتين ، مرة على اجتهاده وطلبه الحق ، ومرة ثانية على قوله بالحق واتباعه له . ويكون من خالف ذلك النص - غير مستجيز لخلافه ، لكن قاصدا إلى الحق مخطئا - مأجورا أجرا واحدا على طلبه للحق ، مرفوعا عنه الاثم إذا لم يعمد له . وقد تيقن أيضا أن لا يختلف المسلمون في بعض النصوص ، ولكن يوقع الله عز وجل لهم الاجماع عليه كما أوقع تعالى بينهم الاختلاف فيما شاء أن يختلفوا فيه من النصوص . واحتجت الطائفة المخالفة لنا بأن قالت : قال الله عز وجل : * ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * . قالوا : فافترض الله طاعة أولي الامر ، كما افترض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكما افترض طاعة نفسه عز وجل أيضا ولا فرق . فلو كان عز وجل إنما افترض طاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان لتكرار الامر بطاعتهم بمعنى ، لأنه يكتفي عز وجل بذكر طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقط ، لأنها على قولكم معنى واحد ، فصح أنه إنما افترض عز وجل طاعتهم فيما قالوه برأي أو قياس ، مما ليس فيه نص عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم . قال أبو محمد : وجمعوا في استدلالهم بهذه الآية إلى تصحيح الاجماع ، تصحيح القول بالرأي والقياس فيما ظنوا ، وقالوا أيضا : قال عز وجل : * ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ) * قالوا : وهذه كالتي قبلها ، وقالوا أيضا : قال الله عز وجل : * ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم ) * قالوا : فتوعدوا على مخالفة سبيل المؤمنين أشد الوعيد ، فصح فرض اتباعهم فيما أجمعوا عليه ، من أي