ابن حزم
491
الاحكام
الذي نهينا عن تتبعه . ومنها وعد أمرنا وحضضنا على العمل لاستحقاقه ، ووعيد حذرنا منه ، وكل ذلك مما أمرنا به بالفكرة فيه لنجتهد في طلب الجنة ، ونفر عن النار ، فأيقنا أن ذلك ليس من المتشابه الذي نهينا عن تتبعه . فلما علمنا أن كل ما ذكرنا ليس متشابها ، وعلمنا يقينا أنه ليس في القرآن إلا محكم ومتشابه ، وأيقنا أن كل محكم فلما أيقنا ذلك ضرورة علمنا يقينا أن ما عدا ما ذكرنا هو المتشابه ، فنظرنا لنعلم أي شئ هو فنجتنبه ولا نتتبعه - وإنما طلبناه لنعلم ماهيته لا كيفيته ولا معناه ، فلم نجد في القرآن شيئا غير ما ذكرنا ، حاشا الحروف المقطعة التي في أوائل بعض السور ، وحاشا الأقسام التي في أوائل بعض السور أيضا فعلمنا يقينا أن هذين النوعين هما المتشابه الذي نهينا عن اتباعه ، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من المتبعين له ، وكذلك وجدنا عمر رضي الله عنه ، قد أوجع صبيا على سؤاله عن تفسير والذاريات . فصح ضرورة أن هذين القسمين هما المتشابه الذي نهينا عن ابتغاء تأويله ، إذ لم يبق بعد ما ذكرنا مما أمرنا بتتبعه إلا هذان النوعان ، فلم يبق غيرهما ، فحرام على كل مسلم أن يطلب معاني الحروف المقطعة التي في أوائل السور . مثل : * ( كهيعص ) * و * ( حم عسق ) * و * ( ن ) * و * ( ألم ) * و * ( ص ) * و * ( طسم ) * وحرام أيضا على كل مسلم أن يطلب معاني الأقسام التي في أوائل السور ، مثل : * ( والنجم ) * و * ( الذاريات ) * * ( والطور ) * * ( والمرسلات عرفا ) * * ( والعاديات ضبحا ) * وما أشبه ذلك . قال أبو محمد : وقد قال قوم : إن المتشابه هو ما اختلف فيه من أحكام القرآن . قال أبو محمد : وهذا خطأ فاحش ، لان هذا القول دعوى ورأي من قائله لا برهان على صحته ، وأيضا فإن ما اختلف فيه ، فلا بد من أن الحق في بعض ما قيل فيه موجود واضح لمن طلبه برهان ذلك قوله تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * وقوله تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فالبيان مضمون موجود ، فمن طلبه طلبا صحيحا وفقه الله تعالى ، وأيضا فإن الاحكام المختلف فيها فرض علينا تتبعها ، وابتغاء تأويلها ، وطلب حكمها الحق فيها والعناية بها والعمل بها ، وأما المتشابه فحرام علينا بالنص تتبعه وطلب معناه ، فبطل بذلك أن يكون المختلف فيه متشابها . وإذا بطل ذلك صح أنه محكم ، ولا يضر الحق جهل