ابن حزم
215
الاحكام
بمعنى قولهم ، وشرح كلامهم . وسنبين هذا بعد صدر من كلامنا في هذا الفصل إن شاء الله تعالى ، وبالله التوفيق . ويقال لمن قال : لا أقبل الخبر حتى يصحبه العمل ، أللعمل أول أم لا أول له ؟ فإن قال : لا أول له ، جاهر بالكذب ولحق بالدهرية ، وإن قال : له أول ، قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : يجب على قولك أن ذلك العمل الأول باطل لا يجوز اتباعه ، لأنه ابتدئ فيه بعمل بخبر لم يعمل به قبل ذلك ، والخبر لا يجوز اتباعه حتى يعمل به ، فهذا العمل قد وقع قبل أن يعمل بالخبر فهو باطل على حكمكم الفاسد المؤدي إلى الهذيان ، وإلى ألا يصح عمل بخبر أبدا ، وكفى سقوطا بقول أدى إلى ما لا يعقل ، وكثير مما يقتحمون مثل هذا ، كقولهم في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وكقولهم في أن الركعة الثانية من صلاة من يقضي صلاة أدرك منها ركعة مع الامام ، هي قبل الأولى ، والثالثة قبل الثانية ، وهذا كما ترى لا يعقل ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وإذا كان ما ذكروا من أنه لا يجوز أن يعمل بخبر حتى يعمل به قبل هذا العمل ، وكان الخبر قد وجد وقتا من الدهر قبل أن يعمل له ، فلا يجوز أن يصح العمل بخبر أبدا ، وإذا كان ذلك فكل عمل بخبر من الاخبار فهو باطل ، والباطل لا يصحح الحق ، ولا يحقق الباطل ، ولا يثبت به شئ . ويقال لهم أيضا : أرأيتم الخبر المسند الصحيح قبل أن يعمل به ، أحق هو أم باطل ؟ ولا بد من أحد هذين ، فإن قالوا : حق ، فسواء عمل به أو لم يعمل به ، ولولا يزيد الحق درجة في أنه حق أن يعمل به ، ، ولا يبطله أن يترك العمل به ، أن أهل الأرض كلهم أصفقوا على معصية محمد صلى الله عليه وسلم ما كان ذلك مسقطا لوجوب طاعته ، وقد فعلوا ذلك في أول مبعثه صلى الله عليه وسلم ، فما كان ذلك مبطلا لصحة قوله ، ولو آمن به جميع أهل الأرض وأطاعوه ، ما زاد قوله عليه السلام منزلة في الصحة على ما كان عليه قبل أن يقبله أو يعمل به أحد من الناس ، ونفسه ضر تارك العمل بالحق ، ولم يضر الحق شيئا ، وكذلك لو أصفق