ابن حزم

140

الاحكام

وجها ينجو به من الشرك ، إلا أن يتعلق بفعل له عليه السلام آخر ، أو بأمر له آخر أو يكون لم يصح عنده ذلك الامر الذي رغب عنه ، فإن تعلق بأنه خصوص له صلى الله عليه وسلم ، فهو أحد الكاذبين الفساق ، ما لم يأت على دعواه بدليل من نص أو إجماع قال علي : وأما من ادعى أن أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض علينا أن نفعل مثلها فقد أغفل جدا ، وأتى بما لا برهان له على صحته ، وما كان هكذا فهو دعوى كاذبة ، لان الأصل ألا يلزمنا حكم حتى يأتي نص قرآن أو نص سنة بإيجابه ، وأيضا فإنه قول يؤدي إلى ما لا يفعل ، ولزمه أن يوجب على كل مسلم أن يسكن حيث سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يجعل رجليه حيث جعلهما عليه السلام ، وأن يصلي حيث صلى عليه السلام ، وأن يصوم فرضا الأيام التي كان يصومها عليه السلام ، وأن يجلس حيث جلس ، وأن يتحرك مثل كل حركة تحركها عليه السلام ، وأن يحرم الاكل متكئا وعلى خوان والشبع من خبز البر مأدوما ثلاثا تباعا ، وأن يوجب فرضا أكل الدباء ويتتبعها وهذا ما لا يوجبه مسلم ، مع أن هذا يخرج إلى المحال ، وإلى إرجاع ما لا سبيل إلى إرجاعه مما قد فات وبطل بالاكل والشرب منه عليه السلام . فبطل بما ذكرنا أن تكون أفعاله عليه السلام واجبة علينا ، إذ لم يأت على ذلك دليل ، بل قد قام الدليل والبرهان على أن ذلك غير واجب بالآية التي ذكرنا ، وكل من له أقل علم باللغة العربية فإنه يعلم أن ما قيل فيه : هذا لك أنه غير واجب قبوله ، بل مباح له تركه إن أحب كالمواريث وكل ما خيرنا فيه ، وأن ما جاء بلفظ : عليك كذا فهذا هو الملزم لنا ، ولا بد فلما قال تعالى : * ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) * كنا مندوبين إلى ذلك ، وكنا مباحا لنا ألا نأتسي غير راغبين عن الائتساء به ، لكن عالمين أن الذي تركنا أفضل والذي فعلنا مباح كجلوس الانسان وتركه أن يصلي تطوعا ، فليس آثما بذلك ولو صلى تطوعا لكان أفضل إلا أن يكون ترك التطوع راغبا عنها في الوقت المباح فيه التطوع ، فهذا خارج عن الاسلام بلا خلاف ، لأنه شارع شريعة لم يأت بها إذن .