ابن حزم

187

الاحكام

ذلك إلا من سفه نفسه ، وأنكر عقله ، وقال على ربه تعالى بغير علم ولا برهان ، ولعمري لقد كان ينبغي أن يستحي قائل - من غيركم - : من غير قبيلتكم ، من هذا التأويل الساقط الظاهر عواره ، الذي ليس عليه من نور الحق أثر . والعجب يكثر من أصحاب أبي حنيفة الذين يقبلون اليهود والنصارى في جميع الحقوق بعضهم على بعض ، وقد نهاهم الله تعالى عن قبول الفاسقين ، ثم لا يقبلونهم في الوصية في السفر ، وقد جاء نص القرآن بقبولهم فيها ، وحسبنا الله وما عسى أن يقال في هذا المكان أكثر من وصف هذا القول البشيع الشنيع الفظيع ، فإن ذكره كاف من تكلف الرد عليه ، وبالله تعالى التوفيق . وقالوا : ونرجع بأن يكون الاشتقاق يؤيد أحد النصين ، ومثلوا ذلك بالشفق ، وادعوا أن اشتقاقه يؤيد أنه الحمرة . قال علي : ما سمعنا هذا في علم اللغة ولا علمناه ، ولا سمع لغوي قط أن الشفق مشتق من الحمرة ، وإنما عهدنا الشعراء يسمون الحمرة والبياض - المختلطين في الجدود - بالشفق على سبيل التشبيه فقط ، وإنما قلنا : إن وقت العشاء الآخرة يدخل بمغيب الحمرة ، لان الحمرة تسمى شفقا والبياض يسمى شفقا ، فمتى غاب ما يقع عليه اسم شفق من حمرة أو بياض فقد غاب الشفق ودخل وقتها بيقين الخبر في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا هو القول بالعموم والظاهر . وأما من قال : حتى يغيب كل ما يسمى شفقا فقد خصص الحديث بلا معنى ولا برهان ، وادعى أن المراد بذلك بعض ما يسمى شفقا وهو البياض ، وأنه قد يغيب الشفق ولا يكون ذلك وقتا للعتمة ، وذلك مغيب الحمرة . وهذا تخصيص للحديث بلا دليل ، وإنما بينا هذا لئلا يموه مموه فيقول لنا : أنتم خصصتم الظاهر في هذا المكان ، ولئلا يدعوا أنهم قالوا بعمومه في هذا المكان . وقالوا : نرجح أحد الخبرين بأن يكون أحدهما يضيف إلى السلف نقصا والآخر لا يضف إليهم ذلك ، فيكون الذي لا يضيف إليهم ذلك النقص أولى ، ومثلوا ذلك بمثال لا يصح ، فذكروا حديثين وردا في إعادة الوضوء من القهقهة في الصلاة ، وفي إسقاط الوضوء منها وكلا الحديثين ساقط لا يصح . أحدهما رواه الحسن بن دينار وهو ضعيف ، وروي مرسلا من طريق أبي العالية وقد