ابن حزم
185
الاحكام
رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقبل صلاتك فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف . والاعتراض الثاني أن قالوا : لعل المأمور بالإعادة إنما أمره عليه السلام بذلك لعمل ما ، غير انفراده في الصف . فقيل لهم : هذا تكهن لا دليل عليه ، والراوي الذي نقل ذلك من الصحابة رضي الله عنهم إنما أخبر أن سبب أمره بالإعادة كان انفراده ، ولم يذكر غير ذلك ، وقد قال تعالى : * ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) رسول الله صلى الله عليه وسلم من وشم في الوجه ، ومن غير منار الأرض ، إنما لعنه لأمر ما غير هذين الفعلين ، ولعله عليه السلام جلد الأمة التي زنت ، ورجم ماعزا ، ورجم الغامدية - لغير الزنى ، ولشئ ما لم يذكر لنا . ومثل هذا من الاعتراض فإنما هو عناد ظاهر وجهل شديد وإن العجب ليطول من أصحاب أبي حنيفة الذين يأمرون المرأة إذا صلت مع الرجل إلى جنبه - أن يعيد الرجل ، ومن أصحاب مالك الذين يأمرون الامام - إذا صلى في مكان مرتفع والناس تحته - أن يعيد ، فإن سئلوا عن الحجة في ذلك قالوا : لأنهما صليا حيث لم يبح لهما ، ولا يأمرون المنفرد خلف الصف والمصلي في مكان مغصوب بالإعادة ، وكلاهما قد صلى على الحقيقة في مكان لم يبح له بلا شك ، وأما الامام المصلي في المكان المرتفع ، والرجل الذي صلت المرأة إلى جنبه بصلاته - وهو غير راض بذلك - فما صليا إلا كما أمر ، وكما أبيح لهما ، فلو عكس هؤلاء القوم أكثر مذاهبهم لأصابوا فكيف وقد صح نص قولنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما حدثنا عبد الله بن ربيع قال : حدثنا محمد بن إسحاق بن السليم ، حدثنا ابن الأعرابي ، ثنا أبو داود السجستاني ، ثنا حميد بن مسعدة : أن يزيد بن زريع حدثهم قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن زياد الأعلم ، قال : أنبأنا الحسن - وهو البصري - أن أبا بكرة حدثه قال : إنه دخل المسجد ونبي الله صلى الله عليه وسلم راكع فركعت دون الصف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد . قال علي : وحتى لو صح هذا الترجيح الفاسد الذي ذكرنا في أول كلامنا هذا ،