ابن حزم
158
الاحكام
قال علي : فليس أحد الاستثناءين أولى من الثاني إلا ببرهان من غيرهما ، ولكن العمل في ذلك أن يطلب البرهان على أصح العملين المذكورين من نص آخر غيرهما ، فإن لم يوجد صبر إلى الاخذ بالزيادة ، وبالله التوفيق . قال علي : ومن هذا قول الله تعالى : * ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) * ومع قوله تعالى لنا : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) * فليس أحد النصين أولى بالاستثناء من الآخر ، إلا بنص أو إجماع ، لأنه جائز أن يقول قائل : معناه : كنتم خير أمة أخرجت للناس إلا بني إسرائيل الذين فضلهم الله على العالمين ، وجائز أن يقول قائل معناه : أني فضلتكم على العالمين إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم خير أمة أخرجت للناس ، فلابد من ترجيح أحد الاستثناءين على الآخر ببرهان آخر وإلا فليس أحدهما أولى من الثاني . قال علي : فنظرنا فوجدنا قوله تعالى : وقد قام البرهان على أنه ليس على عمومه ، لان الملائكة أفضل نهم بيقين ، فوقفنا على هذا ، ثم نظرنا قوله تعالى كنتم خير أمة أخر للناس لم يأت نص ولا إجماع بأنه ليس على ظاهره ، لان الملائكة يدخلون في العالمين ، وقد خرج من عموم ذلك الجن بالنصوص في ذلك ، ولا يدخلون في الأمم المخرجة للناس ، فلما كان هذا النص لم يأت نص آخر ولا إجماع بأنه ليس على عمومه لم يجز لاحد بأن يخصه ، فإذا لم يجز تخصيصه فالفرض الحمل له على عمومه ، فإذا ذلك فرض ، ولابد من أن نخص أحد ذينك النصين من الآخر ، ولم يجز تخصيص هذا ، فقد وجب تخصيص الآخر ولابد ، إذ لا بد من تخصيص أحدهما ، وهذا برهان ضروري صحيح من الخبر الثابت : بأن مثلنا مع من قبلنا كمن أجر أجراء فعملوا إلى نصف النهار بقيراط قيراط ، ثم أجر آخرين فعملوا إلى العصر بقيراط قيراط ، ثم أجر آخرين فعملوا إلى الليل بقيراطين قيراطين قال عليه السلام : فأنتم أقل عملا وأكثر أجرا وبالله تعالى التوفيق . قال علي : ونقول قطعا إنه لا بد ضرورة في كل ما كان هكذا ، من دليل قائم بين البرهان على الصحيح من الاستثناءين والحق من الاستعمالين ، لان الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه فلو لم يكن ههنا دليل لائح ، وبرهان واضح لكان ضمان الله