ابن حزم
246
الاحكام
الصحيفة حيث وجدتها ، وأن عمارا قال لعمر في حديث التيمم : أما والله يا أمير المؤمنين لئن شئت - لما جعل الله لك علي من الحق - ألا أحدث بذلك أبدا فعلت . فقال له عمر : لا ، ولكن نوليك من ذلك ما توليت ، وأن ابن عباس لم يلتفت لرواية أبي هريرة في الوضوء مما مست النار ، ولا رواية الحكم بن عمرو الغفاري في الوضوء من فضل المرأة ، ولا رواية علي في النهي عن المتعة ، ولا رواية أبي سعيد الخدري في النهي عن الدرهم بالدرهمين يدا بيد ، وابن عمر ذكرت له رواية أبي هريرة في كلب الزرع فقال : إن لأبي هريرة زرعا ، وإن معاوية لم يلتفت لرواية عبادة بن الصامت ، وأبي الدرداء في النهي عن الفضة بالفضة بتفاضل يدا بيد . فهؤلاء ، أبو بكر وعثمان وعلي وعائشة وعمار وابن عباس وابن عمر ومعاوية ذكروا نحو هذا أيضا عن نفر من التابعين . قال علي : وقولهم هذا دحض بالبرهان الظاهر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم ، وهو أنه يقال لمن ذم الاكثار من الرواية : أخبرنا عن الرواية لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخير هي أم شر ؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث ، فإن قال : هي خير ، فالاكثار من الخير خير ، وإن قال : هي شر ، فالقليل من الشر شر ، وهم قد أخذوا منه بنصيب ، فيلزمهم أن يعترفوا بأنهم يتعلمون الشر ويعلمون به ، أما نحن فلسنا نقر بذلك ، بل نقول : إن الاكثار منها لطلب ما صح هو الخير كله . وأيضا فنقول لهم : عرفونا حد الاكثار من الرواية المذمومة عندكم ، لنعرف ما تكرهون ، وحد غير الاكثار المستحب عندكم ، فإن حدوا في ذلك حدا كانوا قد قالوا بالباطل : وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى وقالوا بلا برهان وبغير علم ، وإن لم يجدوا في ذلك حدا كانوا قد حصلوا في أسخف منزلة ، إذ لا يدرون ما ينكرون ولا يحسنون . وهذا هو الضلال ونعوذ بالله منه . وأيضا فيقال لهم : ما الذي جعل أن يكون ما رواه مالك من الحديث خيرا ، ويكون ما رواه شرا دون أن تكون القصة معكوسة ، ونحن نعوذ بالله من كل ذلك ، بل الخير كله التفقه في الآثار والقرآن ، وضبط ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم .