أبو الصلاح الحلبي
53
الكافي في الفقه
للنفع في حكم إيصاله ، فماله حسن أحدهما يجب أن يحسن له الآخر ، ألا ترى أنه كما يحسن منا ابتداء الغير بالنفع فكذلك تعريضه له ، وكما يحسن منا نفع أنفسنا فكذلك التعريض له بضروب المشاق ، وقلنا ذلك لا يحوز ( 1 ) لأنه سبحانه لا يجوز أن يكلف لاجتلاب نفع ولا دفع ضرر لاستحالتهما عليه سبحانه ، ولا لغير غرض ، ولا لإغراء بالقبيح لقبحهما ، ولا ليدفع بالتكليف ضررا عن المكلف ، لأن دفع الضرر بالضرر لا يحسن إلا بحيث لا يندفع إلا به ، وهو سبحانه قادر على دفع كل ضرر من غير إضرار ، فلا يحسن تكليف المشاق له ، ولا يحسن الاستحقاق ( 2 ) لأمور : منها أن ذلك يقتضي تقدم ( 3 ) تكليف قبل تكليف إلى ما لا يتناهى ، وذلك محال ، ولأن الضرر المستحق مقترن بالاستخفاف ، وامتثال مشاق التكليف يقتضي المدح والتعظيم ، ولم يبق لحسنه إلا كونه ضررا مبتدءا أو تعريضا لنفع ، والضرر المبتدء ظلم لا يجوز عليه سبحانه ، فثبت كونه تعريضا لنفع لا يجوز أن يكون مما يحسن الابتداء به ، لأنه سبحانه قادر على ضروب ما يحسن الابتداء به من المنافع ، فلا يجوز أن يكلف المشاق لها من حيث كان ذلك عبثا لا يجوز عليه سبحانه ، لكونه جاريا مجرى من أراد أن ينفع غيره فلم يفعل حتى كلفه نقل الرمل من جهة إلى أخرى لا لغرض إلا ذلك النفع في كونه عابثا ، والنفع الذي لا يحسن الابتداء به هو الواقع على جهة الاعظام والاجلال ، لعلمنا بقبح التفضل بالتعظيم وأنه لا يحسن إلا مستحقا . وعلمه سبحانه بأن كثيرا من المكلفين يعصي فيما كلفه فيستحق العقاب
--> ( 1 ) كذا في النسخ والظاهر زيادة جملة " لا يجوز " . ( 2 ) للاستحقاق ظ . ( 3 ) في بعض النسخ : بقدم ، وفي بعضها الآخر : وقدم ، والظاهر ما أثبتناه .