محمد طاهر الكردي

487

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ذكر الشيخ عبد اللّه الغازي رحمه اللّه تعالى في الجزء الثاني من تاريخه ناقلا عن « صبح الأعشى » للقلقشندي عند ذكر ما يكتب لأرباب الوظائف بالمملكة الحجازية صورة تقليد الإمارة التي كتبها الملك الناصر محمد بن قلاوون للشريف رميثة بن أبي نمي في سنة ( 731 ) إحدى وثلاثين وسبعمائة وهي : « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه الحكيم ، فالشريف من اتبع أوامره العظيم ، فالسعيد من اتقى غضبه بأعماله الزاكية ونياته الطاهرة الكريمة ، فالفائز من سلك مراضيه في الدنيا ليأمن في الآخرة ، ومن أخاف عاكف حرم اللّه وباديه فقد باء بالأفعال الخاسرة ، ومن عظم شعائر اللّه فقد رفل في حلل الإقبال الفاخرة ، نحمده على ألطافه الباطنة والظاهرة ، ونشكره ونرجوه وما زال ينجح راجيه ويزيد شاكره ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة من اتخذ الحق ناصره وأودع إخلاصها ضمائره ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بعثه اللّه من الحرم فألف القلوب النافرة وفتح مكة فطهرها من الزمرة الكافرة ، وقال في ذلك اليوم : من أغلق عليه بابه فقد آمن ، فآسى أهلها ونفوسهم بالأمن ظافرة ، صلّى اللّه عليه وعلى آله بني الزهراء العترة الزاهرة ، وعلى صحبه النجوم السافرة وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد ، فإن الحكم بالعدل شعارنا ، وباللّه اقتداؤنا واقتدارنا وفي الإحسان رغبتنا ، وفي كل عنق منتنا نصفح ونمنح ، ونرعى من أمسى قديم الهجرة في ولايتنا وأصبح ، ونقيم من أهل البيت لحفظ ذلك البيت الأصلح فالأصلح ونقدم من لم يزل مقدما وإلى صواب الصواب يجنح فينجح ، وننجي من الهلكة من لاح له منهج الخير فسلكه فأفلح ، وكانت مكة المعظمة هي أم القرى والبلد الأمين المجزل فيه القرى ، نشأ الإسلام في بطحائها ، وحرمها اللّه فلا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، تأكيدا لتشريفها وإعلائها ، وطلعت شمس النبوة من شعابها ، وغسلت الذنوب بوابل سحابها ، فيها زمزم وكزة جبريل ، وفيها بدا الوحي والتنزيل ، وإليها أعنقت الركاب ، ففي كل أبطح للمطي مسير ومسيل ، فكم أتى إليها من سائر الناس سائر ، وكم أتى إليه الناس رجالا وعلى كل ضامر ، فالرحمة مستقرة بين نواحيها ، والعيون تتملّى بأنوار تلك الأستار حتى تجتليها ، والشفاه تتشرف بتقبيل ذلك الحجر الذي يشهد لها في غد ويقيها ، فطوبى لمتقيها ، وسحقا لمن أخاف وفد اللّه فيها ، ونحن قد بصرنا اللّه بخدمة بيتها المحرم ، وحرمها المعظم ، وكرر إليها حجنا وكرمه ، فلله الحمد أن كرر حجنا وكرم ، وما برحنا نقيم في إمارتها من العترة النبوية كل