محمد طاهر الكردي
478
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
في عدة قضايا ، كان الحكم نفسه طرفا فيها أو أهله ، من عائلة الخلافة وبطانة الدولة أطرافا فيها . إنه لم يتفق فيما أعلم أن شهدت الدنيا عهدا ، كهذه العهود الإسلامية المباركة ، فخليفة المسلمين ينسل في الهزيع الأخير من الليل يضرع إلى اللّه ، ويفزع إليه ليوفقه في اختيار قاضي المسلمين ، ثم يجمع مجلس المشورة من غده ، ويستشيرهم في أمر ذلك الاختيار ولا يصدر إلا عن رأي أجمعوا عليه ، ثم يحرر عهد الولاية فإذا هو دستور قويم ، يضع أسمى المبادئ ويسن أجل المناهج ، ثم يقف متنكرا مع أفراد الرعية متطلعا إلى ما يجري حول مجلس القاضي ، وما يقوله الخصماء عنه ، ثم يبكي بين يديه أقرب الناس منه وأشدهم سلطانا عليه ، يشكو أمر القاضي فيسترضيه بكل شيء عدا مصادمة القاضي أو نقض ما أبرمه أو التداخل في أوامره وأحكامه . إنها عهود زاهرة فتحها الإسلام وارتفعت بها البشرية إلى أسمى المقامات وعرف بها الإنسان حقه في الحياة ، وواجبه فيها ، وتفيأ جميع الأحياء ظلال الأمن والطمأنينة وشعروا بالعزة من وراء الإنصاف والكرامة من وراء العدل والازدهار نتيجة النظام المطلق ، ورقابة الضمائر الطاهرة ، والقلوب النقية . ثم وهل تعود تلك العهود الزاهرة ؟ وهل يرجع القضاء في كل أطراف الدنيا استقلاله ونفوذه وطهارته وجلاله ؟ وهل يتاح لخصماء اليوم أن يهيمن على نزاعاتهم قضاء قوي لا هوادة فيه ولا جور ، ولا تلكؤ ولا استعجال وقضاة مقسطون تحميهم ملائكة الحق ، ويخافون يوما يرجعون فيه إلى اللّه ، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ؟ إن أمم العالم سائرها ترجو ذلك وتتمناه ، وإنه لا سبيل لإدراك تلك العهود ، إلا بالتضحية العامة ، تضحية أصحاب السلطة بنفوذهم لفائدة نفوذ القضاء ، وتضحية القاضي بشهواته وأعوانه وميوله ورفاهيته ، لفائدة الحق ، وتضحية الخصماء بكبريائهم وغرورهم وشرههم لفائدة الإنصاف . وتكون نتيجة هذه التضحيات حتما الطمأنينة للجميع . والعمران والأمن للكافة . انتهى كل ما تقدم من الكتاب المذكور . وجاء في الجزء الثاني ، من كتاب « حسن المحاضرة » للإمام السيوطي ، رحمه اللّه تعالى ، في ذكر قضاة مصر ، كثيرا من أسماء القضاة وأحوالهم ، ونحن نلخص شيئا يسيرا حتى لا يطول بنا المقام ، وهو كما يلي :