محمد طاهر الكردي

464

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أسلمها إلى قوم مسلمين وردت عليه بأنه لا يقومون الليل معتقدة أن من لا يقوم الليل كافر . رغم أن حماسا رتب ديوانه على أحكم صورة ، وعهد إلى موسى بن القطان بالقضاء المركزي يعضده أبو عبد اللّه الضراب ، وعهد إلى العلامة عبد الرحمن الورقة بقضاء المظالم ، وأبي العباس إسحاق بن إبراهيم الأزدي بقضاء التخوم ، ورغم انتصابه لفصل القضايا كامل النهار فقد أعلن أنه يقبل التقاضي في أي مكان وعلى آية حالة ، وفي بيته وفي المسجد الجامع لا يغلق بابه دون أي متظلم ولم يستطع الليل أن يقيم ستارا بينه وبين المتقاصين لأن بيته يبيت في يقظة مستمرة ، ولأن ابنه سالما لا يغمض عينه ، كامل الليل ، ويجيب كل طارق أقبل على المنزل . وعرض عليه ابن الصايغ أن يبعث له بنفقة ومركوبة وخادمة وحاجب ، فأبى وهدد بالاستقالة وألح عليه بوصفه كبير وزراء المملكة أن يريح نفسه من نسخ الكتب ليلا ويوفر ذلك الوقت للناس ويأخذ كفافه من المال ، فأصر على الامتناع قائلا : إني لا أرتفع عن أكون خديم المسلمين إلى درجة أن أكون مأجورا على خدمتهم . حاول رجل من أهل درب ابن الربيع أن يبني دكانه لصق باب داره ليجلس عليها في الأمسية منتظرا عودة مواشيه من المزرعة وبقراته من المرعى . ومنعه جاره بحجة أن الطريق لعموم الناس ، وليس له أن يستأثر بمكان منه لخاصة نفسه . واشتدت المناقشة بين الجارين ، وقررا أن يحتكما للقاضي وكانا لا يعرفان حماسا ولم يجتمعا أو يتداعيا لديه وتحركا إلى مجلس القضاء ، وفيما هما يسألان عنه ، إذ لقيهما شيخ وقور يحمل قلة ماء فسألاه فقال : ما تريدان ؟ قالا : نتحاكم في مسألة . قال : تحاكما فثالثكما هو القاضي . قال له المدعي : ولم لم تضع قلتك على الأرض ؟ قال : لأن الأرض مملوكة للمارة ، فلا أضيق عليهم . فقال له المدعي : قد قضيت في خلافنا ، وقال في نفسه : إذا كان القاضي لم تسمح نفسه بوضع قلته بالطريق فكيف يحكم لي بأن أبني دكانة في الطريق ؟ وانصرف ورجع عن محاولة واعتذر لجاره . هذا الحكم يرويه عن القاضي حماس أبو الفضل البرزلي وينقله عنه المؤرخون وننقله نحن عن هؤلاء ، وفيه عبرة وموعظة ، وفيه ورع وعدالة وهو لعمر الحق صورة حية لما كان عليه القاضي حماس من التربية الكاملة ، ولما كان يعطيه من