محمد طاهر الكردي

450

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وشاء سحنون أن يتخذ بيت قضائه في أحضان ألمسجد الجامع وبين أحد أجنحته الخارجية فخلع عليه بذلك المهابة والإكبار وأفاض عليه من روحانية العبادة وجلال التجرد والنسك ما جعله يبتعد عن المادة ويقترب من الناموس الأعظم حتى أدى ذلك إلى تشجيع الصعلوك على مقاضاة الأسياد والكبراء ، ومجالستهم الجنب بالجنب ومجادلتهم الكلمة بالكلمة . وقد ابتكر سحنون خطة الكتابة العامة لدائرة القضاء العالي ، وأسندها إلى مزاحمه العلامة القاضي سليمان بن عمران زعيم الكوفيين والمرشح الثاني لولاية القضاء الأفريقي ، وقصد سحنون أن يصيب بذلك التعيين ثلاثة أهداف : الأول : إرضاء أتباع المذهب الكوفي في شخص زعيمهم . الثاني : الاستفادة من مواهب سليمان وغزير علمه . الثالث : تمرينه على القضاء ( وفعلا فقد انتخب بعد ذلك في منصب القاضي الأكبر ) . ولم يتردد سليمان في قبول ما عرضه عليه سحنون حرصا على زيادة الارتواء من منهله الذي لا ينضب ، ومعينه الذي لا يغور ، ورغبة في ممارسة ما عرف عن سحنون من شدة التحري وقوة البداهة وبراعة الاستنتاج . كما أحدث سحنون ديوان التسجيل وأناطه بعهدة عالمين فقيهين يتوليان تسجيل الأحكام والاعترافات والشهادات في مجلس القاضي وبين يديه . أحدث سحنون نظامي الاستقدام الشخصي كتابة ومشافهة ، والاستقدام الجبري ( ولو أنه لم يضطر كثيرا لاستعماله ) . وكان إذا استدعي كبير في المثول بين يدي القاضي يأمر عون المحكمة بسحبه ووضع حبل في عنقه إن اقتضى الحال ذلك وعمد ذات مرة إلى إذاعة منشور في أطراف المملكة يستنفر فيه جيشا من الفتيان والشبان ليقدموا عليه وينفذوا أمره . كما أحدث طريقة على الغائب ( وهي التي جرى عليها في الظروف الأخيرة ، عمل المحاكم التونسية ) . كما أحدث الجدول اليومي المعد لضبط أسماء المتقاضين بحسب أسبقيتهم في الحضور وأوجب أن لا يخرق نظام الأسبقية إلا إذا حضر مضطر أو ملهوف فيكون له حق الأولوية ، وكما قرر أن يجري القضاء في بيت المحكمة بمحضر