محمد طاهر الكردي

448

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

قسم سحنون القضاء إلى ثلاث درجات : الدرجة الأولى : درجة القضاء الفوري ( أو دائرة صاحب المظالم ) وهذا النوع من القضاء عهد إلى دائرة حكمية يرجع لنظرها من حيث الموضوع كل القضايا التي لا تزيد أهميتها المالية على عشرين دينارا في خصوص المادة المدنية . ويرأس هذه الدائرة قاض له خبرة خاصة بالأحوال التجارية والصناعية وبما اعتاده الناس في معاملتهم وتعارفوه في صفقاتهم كما له حذق زائد ومهارة واسعة في التوفيق وإصلاح ذات البين وله احترام في نفوس الناس . وتقضي هذه الدائرة قارة ومتنقلة فهي تتبع الخصومة ، وتنتصب في أشهر أسواق العاصمة وأكثرها حركة ونشاطا ، فهي غير مقيدة الاختصاص بالنسبة لمرجعي النظر الترابي والشخصي والقضايا التي تتجاوز أهمية موضوعها المالي العشرين دينارا ترفع إلى الدائرة العليا . . . وقد تلقى هذه الأحداث بمزيد من الغبطة والابتهاج وحمد الناس لسحنون ابتكاره العظيم وأقبلوا على التقاضي لدى دائرة الفور حيث وجدوا فيها السرعة التي ينشدونها والقرب الذي يريدونه . وجاء من بعد سحنون كثير من القضاة فأقروا الدائرة الفورية ووسعوا في مشمولات أنظارها الحكمية ، فأصبحت على عهد عيسى بن مسكين قاضي القيروان تنظر في القضايا التي تبلغ أهميتها المالية مائة دينار . وكانت في ذلك العهد مسندة إلى لياقة القاضي سليمان بن سالم الكندي . أما في عهد سحنون فقد أسند قضاء الدائرة الفورية إلى كفاءة الفقيه الكبير حبيب بن نصر التميمي الذي توفرت فيه شروط الحنكة والدراية والنشاط . ولا تنظر دائرة القضاء الفوري في المخالفات والجنح التي تستوجب التعزير ولا في الجنايات التي تستوجب إقامة الحدود . الدرجة الثانية : درجة القضاء البلدي ( أو دائرة صاحب الحسبة ) وهذه الدائرة ترجع لنظرها كل المخالفات التي ترتكب ضد المصالح العامة ، والصحة العامة والنظافة والطرقات العامة والمؤسسات ذات الصبغة العمومية كالمساجد والمعابد والمعاهد ، وضد الأخلاق الفاضلة وحقوق التجاور والتساكن كما يرجع لنظرها إجراء الرقابة على المكاييل والموازين ومعروضات الأسواق من أطعمة وأشربة وعلى نظام العرض والطلب وعلى راحة السكان وأمنهم .