محمد طاهر الكردي

444

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

تداخل القاضي أبو يوسف لما قلّد قضاء الجماعة ، لإصلاح نظم السجن ، والترفيه عن حالة نزلائه فوجه رسالة إلى الخليفة الرشيد جاء فيها : « فمر بالتقدير لهم ما يقوتهم في طعامهم وأدمهم ، وصير ذلك دراهم تجري عليهم في كل شهر ، فإنك إن أجريت عليهم الخبر ذهب به ولاة السجن . . وول ذلك رجلا من أهل الخير ، يثبت أسماء من في السجن ، ممن تجري عليهم الصدقة شهرا فشهر . ويقعد ويدعو باسم رجل ، رجل ، ويدفع ذلك إليه في يده . . وكسوتهم في الشتاء قميص وكساء ، وفي الصيف قميص وإزار ، ويجري على النساء مثل ذلك ، وكسوتهم في الشتاء قميص ومقنعة وكساء ، وفي الصيف قميص وإزار ومقنعة . وأنهوا عن غل السجين ، إلا إذا خيف فراره ، وعن ضربه إلا إذا أقيم عليه حد . وأذنوا له ، إذا كان عليه ديون ، أن يخرج فيخاصم » . لقد بلغ القضاء في أحكامه ومؤسساته ونظام ترافعه ، ووسائل تنفيذه في العهد العباسي ، شأوا بعيدا في الرقي والازدهار . وبلغ من نفوذ القضاء ما رواه أسد بن الفرات من أن « أبا يوسف كان ينظر بين خصمين بحضرة هارون الرشيد ، فتوجه القضاء على أحدهما فجثا الرشيد وأقبل ببصره نحو أبي يوسف حتى أنفذ القضاء . ثم قال : « هكذا أفعل أنا وسائر من معي حتى قضاء أبي يوسف » ولا غرابة فيما أخذته بعض المحاكم الغربية اليوم عن هذا التقليد الإسلامي ، من الوقوف ورفع الأسلحة عند الشروع في النطق القضائي . ولئن كان الإجلال يصدر في محاكم الغرب ، عن الجيش والعامة فهو في محاكم الإسلام يصدر عن الخليفة الإمام وعن خاصته من الوزراء والكبراء . كان من نتائج استقلال القضاء وتنظيمه أن استطاع الجمهور من شعوب الخلافة الإسلامية بسط رقابته الشديدة على أداة الحكم وأنواع الأحكام ، وأصبح الرأي العام يعلق على الأقضية التي تصدر ولو كان متعلقها جرة ماء تحطمها امرأة . وقد روى الحسن بن زياد : قال : « كنا يوما بباب أبي يوسف ونحن ننتظره إذ أقبل من دار الرشيد وهو يبتسم فقال : حدثت مسألة في دار أمير المؤمنين اليوم ، رفع إليه أن قاضيا بأرمينية اختصم إليه جاريتان في جرتين وقد استقيا ماء من بعض المواضع ، فوضعتا جرتيهما لتستريحا ، فسقطت جرة كل واحدة على جرة صاحبتها فانكسرتا فاختصمتا إلى القاضي فقالت كل واحدة منهما : سقطت جرة هذه على جرتي فانكسرت . فجعل القاضي ينظر إليهما ، لا يعرف المدعية منهما