محمد طاهر الكردي

422

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

كانت أمور الفتوى ، في هذا العهد ، أي « عهد العثمانيين الأول » تسند إلى بيوت العلم من المكيين بتأييد من الدولة العثمانية بخلاف وظيفة القضاء ، فقد اختص العثمانيون أنفسهم بها ، فكان الناس إذا لم يقتنعوا بحكم القاضي التركي لجأوا إلى استفتاء المفتي في قضاياهم ، فإذا أفتى في صالحهم استندوا على فتواه ورجعوا بها إلى مجلس القاضي ، وكان لكل مذهب من المذاهب الأربعة مفتي مختص ويرأسهم مفتي الحنفية ، لأن السلطان على مذهب أبي حنيفة ، وأول من تولى رئاسة الفتوى في عهد العثمانيين هو الشيخ قطب الدين الحنفي المكي . ومما يناسب هذا المقام ما ذكره القلقشندي في كتابه صبح الأعشى : إن أول قاض كان في الإسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، استقضاه أبو بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ، في خلافته فمكث سنة لا يأتيه أحد في قضية . انتهى . وهذا لا يستغرب في عهد الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين فلقد تغلغل الدين والتقوى في نفوسهم ، وسرى العدل والإنصاف فيهم سريان الدم في الشرايين والأوردة ، وفي المثل « لو أنصف الناس استراح القاضي » . ومن أحسن الحكم والوصايا ما كتبه عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه في القضاء لأبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه وهو ما ذكره صاحب كتاب جواهر الأدب وهذا نصه : « أما بعد » فإن القضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة ، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك . البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا . إلا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك ، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل . الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك ، واعمد إلى أقربها إلى اللّه ، وأشبهها بالحق . واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه ، فإذا أحضر بينته أخذت له بحقه ، وإلا استحللت عليه القضية ، فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى . المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب