محمد طاهر الكردي

408

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم رأوا أن إيصال الماء ، من هذه البئر إلى مجرى عين حنين عند بستان بنونة الواقع بالشيبية يحتاج إلى حفر ألفي ذراع بذراع البنائين أي إلى حفر كيلو متر واحد تقريبا وهذا عمل ليس بالهين لأنه يحتاج أن ينزلوا في حفر الأرض إلى عمق خمسين ذراعا والحفر لا يكون إلا في الجبال الصلب الصخرية القوية جدا فأرادوا أن يتراجعوا ويصرفوا النظر عن إيصال الماء إلى مكة من بئر زبيدة لولا أنهم رأوا أن تركهم العمل لا يليق باسم السلطان خليفة المسلمين . فشمروا عن ساعد الجد ، وتوكلوا على اللّه بخلوص النية ، وقاموا بهذا العمل الجبار فكانوا يحفرون وجه الأرض إلى أن يصلوا إلى الحجر الصوان والصخر الصلد ثم يوقدون عليه النار بالحطب بمقدار مائة حمل منه ليلة كاملة ، ثم يكسرون الصخور والحجارة العظام بالحديد ولكن لا ينكسر منه إلا القليل بسبب أن قوة النار تكون من فوق لا من تحت وهكذا كانوا يكسرون الجبال والصخور والحجر الصوان إلى أن وصلوا بالماء إلى بئر القاضي المسمى ببازان القاضي . وهذا البازان هو ( الشيء الثاني ) الذي نذكره على سبيل المثال كما قلنا فيما تقدم . وهذا البازان المسمى ببازان القاضي هو يشبه تقريبا بئر زبيدة المسمى ب « حبس الجن » المتقدم ذكرها والظاهر واللّه تعالى أعلم أن قاضي مكة شيخ الإسلام القاضي السيد حسين الحسيني ناظر المسجد الحرام ، الذي صدر الأمر السلطاني بأن يكون ناظرا ومشرفا على مشروع إيصال الماء ، لما قام بإكمال عمل إيصال الماء إلى مكة بعد موت رئيس ومدير العمل الأصلي الذي كان بيده تنفيذ المشروع والعمل نسب إليه هذا البازان فقيل له : « بازان القاضي » . وهذا البازان واقع عند قهوة الششة « بشينين معجمتين مشددتين بعدهما تاء مربوطة » وهو واقع على يسار الساعد إلى منى قبل بئر زبيدة فإذا استقبل الإنسان من البازان جهة عرفات أي الشرق كان جبل حراء على شماله وجبل الصدر في الشرق وبين البازان وجبل حراء نحو كيلو متر واحد ونصف كيلو متر وبينه وبين الجبل الذي أمامه في جهة الشرق نحو مائتي متر . وعمق هذا البازان من وجه الأرض إلى الماء كعمق بئر زبيدة التي تقدم الكلام عليها أي نحو ثلاثة وعشرين مترا أي ما يقرب من خمسين ذراعا ، وينزل إليه بدرج طويل عددها ثلاث وسبعون درجة أي أن عدد درجاته كعدد درجات بئر زبيدة أيضا وبين هذه البئر وبين بازان القاضي المذكور كيلو متر واحد أو أقل .