محمد طاهر الكردي

369

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

حنين وتركت العمل من عند البئر لصلابة الحجر ، وصعوبة إمكان قطعة وطول مسافة ما يجب قطعه فإنه يحتاج من بئر زبيدة إلى دبل منقور تحت الأرض من الحجر الصوان ، طوله ألفا ذراع بذراع البنائين حتى يتصل بدبل عين حنين ، وينصب فيه ويصل إلى مكة ولا يمكن نقب ذلك الحجر تحت الأرض فإنه يحتاج في النزول إلى خمسين ذراعا من العمق وصار لا يمكن ترك ذلك بعد الشروع فيه حفظا لناموس السلطنة الشريفة فما وجد الأمير إبراهيم حيلة غير أن يحفر وجه الأرض إلى أن يصل إلى الحجر الصوان ، ثم يوقد عليه بالنار مقدار مائة حمل من الحطب الجزل ليلة كاملة في مقدار سبعة أذرع في عرض خمسة أذرع من وجه الأرض والنار لا تعمل إلا في العلو ولكن تعمل عملا يسيرا جدا من جانب السفل فيلين الحجر من جانب السفل مقدار قيراطين من أربعة وعشرين قيراطا من ذراع فيكسر بالحديد إلى أن يصل إلى الحجر الصلب الشديد فيوقد عليه بالحطب الجزل ليلة أخرى وهلم جرا إلى أن ينزل في ذلك الحجر مقدار خمسين ذراعا في العمق في عرض خمسة أذرع إلى أن يستوفي ألفي ذراع تقطع على هذا الحكم ، وذلك يحتاج إلى عمر نوح ومال قارون وصبر أيوب وما رأى عن ذلك محيصا فأقدم عليه إلى أن فرغ الحطب من جميع جبال مكة فصار يجلب من المسافات البعيدة وغلا سعره وضاق الناس بذلك وتعب الأمير إبراهيم لذلك وذهبت أمواله وخدامه وأولاده ومماليكه ، وهو يتجلد على ذلك إلى أن قطع من المسافة ألف ذراع وخمسمائة ذراع بالعمل وصار كلما فرغ المصروف أرسل وطلب مصروفا آخر ، إلى أن صرف أكثر من خمسمائة ألف دينار ذهبا من الخزائن العامرة . وتوفي إبراهيم بيك ناظر العمارة في سنة تسعمائة وأربع وسبعين ثم أقيم بعده في هذه الخدمة سنجق جدة الأمير قاسم بك ، بإقامة سيدنا ومولانا السيد حسن صاحب مكة أدام اللّه تعالى دولته وسعادته ، وعرض ذلك إلى الباب العالي وأمره أن يباشر هذه الخدمة إلى أن يصل من تعينه السلطنة الشريفة لأداء هذه الخدمة وكانت السلطنة الشريفة العظمى قد انتقلت من المرحوم السلطان سليمان خان ، إلى نجله الأسعد الأمجد السلطان سليم خان فتعين لها من الباب العالي دفتر دار مصر يومئذ محمد بك أكمك جي زاده ، وكان من أعيان الأمراء والسناجق الكبراء له عقل تام ورأي ثاقب وصل إلى هذه الخدمة الشاقة وبذل فيها نفسه وماله وأظهر تجمله وتحمله واحتماله ، وما بلغ التمام إلى أن وافاه الحمام ، وانتقل إلى رحمة اللّه تعالى سنة تسعمائة وست وسبعين .