محمد طاهر الكردي

367

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

إلى عرفة إلى أن صارت عرفات فيها بساتين وصار بها الغروس ، ثم قلت الأمطار إلى أن يبست العيون ونزحت الآبار في سنين متعددة من سنة تسعمائة وخمس وستين وما بعدها . وكانت سنوات تقارب سنين يوسف شدادا عجافا ، وانقطعت العيون إلا عين عرفات فإنها لم تنقطع إلا أنها قلّ جريانها في تلك السنوات . صدور الأوامر السلطانية بإصلاح العيون قال الغازي : فلما عرضت أحوال العين إلى الأبواب الشريفة السلطانية السليمانية التفت الخاطر العاطر السلطاني إلى تدارك ذلك بأي وجه يكون ، وأمر بالفحص على أحوال العيون وكيف يكون جريانها إلى بلد اللّه الأمين ، فاجتمع المرحوم عبد الباقي بن علي المغربي قاضي مكة ، والأمير خير الدين صنجقدار جدة وغيرهما من الأعيان وتفحصوا وداروا وتشاوروا فأجمع رأيهم على إن أقوى العيون عين عرفات ، وطريقها ظاهر ودبولها مبنية إلى بئر زبيدة خلف منى ، وإن الذي يغلب على الظن أن دبولها من بئر زبيدة إلى مكة مبنية أيضا ، وأنها مخفية تحت الأرض وأنها تحتاج إلى الكشف عنها والحفر إلى أن تظهر لأن زبيدة لما بنت الدبول من عرفات إلى بئرها المشهور ، جميعها ظاهر على وجه الأرض فالباقي من ذلك المحل أيضا مبني إلا أنه خاف تحت الأرض ، واستغنت عن عين عرفات بعين حنين ، وتركت هذه وصارت نسيا منسيا . هكذا ظنوا وخمنوا ، ثم إنهم تتبعوا عين عرفات من أولها ، من الأوجر إلى نعمان ثم إلى عرفة ثم إلى المزدلفة ثم إلى بئر زبيدة وأصلحوا هذه الدبول الظاهرة وكشفوا عن الباقي ، وبنوا ما وجدوا منها منهدما ورمموا الباقي احتاجوا إلى ثلاثين ألف دينار ذهبا وذرعوه وقاسوه فكان من الأوجر إلى بطن مكة خمسة وأربعين ألف ذراع بذراع البنائين الآن ، وهو أكبر من الذراع الشرعي بقدر ربعه ، وهذا الذي تخيلوه من وجود بقية الدبل تحت الأرض لم يوجد في كتب التواريخ وإنما أداهم إلى ذلك مجرد الظن بحسب القرائن وعرضوا ذلك على أبواب السلطنة في أوائل سنة تسعمائة وتسع وستين ، فلما وصل علم ذلك إلى المسامع الشريفة السلطانية السليمانية التمست صاحبة الخيرات كريمة مولانا السلطان سليمان خان حضرة خانم سلطان أن يأذن لها في عمل هذا الخير ، حيث كانت صاحبة الخير أولا أم جعفر زبيدة العباسية فناسب أن تكون هي