محمد طاهر الكردي

312

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقوم في مواسم الحج ، يدعو إلى توحيد اللّه تعالى وعبادته من أقبل إلى مكة من العرب من سائر الأطراف ، ولما كان الموسم الذي قبل هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم بنحو سنتين وبضعة أشهر ، أقبل من المدينة إلى مكة جماعة من الخزرج ، فجاءهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعوهم إلى الإسلام ، وكانوا قد سمعوا به من يهود المدينة ، فأسلموا ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ، وكانوا ستة نفر من الخزرج ، فلما قدموا المدينة أخبروا قومهم بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودعوهم إلى الإسلام ، حتى فشا فيهم ودخل في جميع دور الأنصار . فلما كان الموسم الثاني ، أي : قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر ، أتى من المدينة اثنا عشر رجلا فاجتمعوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبايعوه على الإسلام ، وبعد أن تمت هذه البيعة ، بعث معهم مصعب بن عمير من بني عبد الدار بن قصي ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين . فكان إسلام هؤلاء النفر وذهاب مصعب بن عمير معهم سببا في دخول أشراف أهل المدينة في الإسلام ، فما بقيت دار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا بعض بطون قليلة . فلما كان الموسم الأخير قدم مصعب بن عمير وخرج من المسلمين عدد كبير ، ومعهم حجاج من قومهم ممن لم يسلموا وما زالوا على الشرك ، فأرسل المسلمون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يواعدونه عند جمرة العقبة للمقابلة من أوسط أيام التشريق . قال الخضري في محاضراته « تاريخ الأمم الإسلامية » عند تكملة هذا المبحث : فلما انتهى أمر الحج ومشاعره ، وحان الموعد ، خرج المسلمون من رحالهم بعد انقضاء ثلث الليل يتسللون تسلل القطا مستخفين ، حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة ، وكانت عدتهم ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين هما : نسيبة بنت كعب من بني مازن بن النجار الخزرجية ، وأسماء بنت عمرو إحدى نساء بني سلمة من الخزرج ، واستمروا ينتظرون الرسول صلى اللّه عليه وسلم حتى جاءهم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه ، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتواثق له ، فلما جلس كان أول متكلم العباس فقال : يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من