محمد طاهر الكردي
292
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
رجم الجمرات الثلاث بمنى لا نقصد من رجم الشياطين ، حكم الرمي وكيفيته ، ولكن نتكلم هنا عن أصل الرجم قديما ، ناقلين كلام البتنوني ، رحمه اللّه تعالى ، في كتابه « الرحلة الحجازية » فإنه قال ما ملخصه : الرجم ، في اصطلاح الحجيج : رمي غرض مخصوص في منى بسبع حصيات في حجم الفولة ، وهذا الغرض يسمى جمرة ، والجمرات الثلاث : جمرة العقبة ، والجمرة الوسطى ، والجمرة الصغرى ، ولكل جمرة مكان مخصوص ، ورميها واجب باتفاق المذاهب . والعرب كانوا يرجمون هذه الجمرات الثلاث في حجهم قبل الإسلام ، لأنهم كانوا يعتقدون أن اللّه تعالى أوحى إلى إبراهيم ، وهو في تلك الجهة ، بذبح ولده إسماعيل ، فأخذه وسار ليصدع بأمر ربه فوسوس له الشيطان بأن لا يفعل ، فأخذ حصيات ورماه بها ، وكان ذلك في المكان الذي به الجمرة الأولى ، فتركه وسار إلى هاجر ، وأخذ يقبح لها عمل إبراهيم ، فأخذت حجارة ورمته بها ، وكان ذلك في مكان الجمرة الثانية ، فذهب إلى إسماعيل يشنع له عمل أبيه ، فأخذ قبضة من الحصى ورماه بها ، وكان ذلك في مكان الجمرة الثالثة . لذلك كانت ترجم العرب هذه الأمكنة مشخصين ذلك الشيطان ، وأقرهم عليه الإسلام . ولا غرابة في ذلك لأن الناموس الطبيعي يقضي بأن يكون كل معنى من المعاني مصدره المادة ، وعليه فهذا الرمي المادي يوصل بلا شك لمعنى دقيق جليل في ذاته ، وهو تربية ملكة جديدة في شخص الرامي ، وهي مخالفة شيطان النفس والابتعاد عن مسالك الشرور . والرجم أمر قديم في الأمم ، قال اللّه تعالى في سورة الشعراء في إجابة قوم نوح على نصائحه لهم : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ وقال تعالى في سورة هود ، في جواب أهل مدين على نصيحة نبيهم شعيب لهم : قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ . وذكر الرجم في بني إسرائيل قال : « فأخذ يشوع عخان بن زارح والفضة والرداء ولسان الذهب وبنيه وبناته وبقره وحميره وغنمه وخيمته وكل ماله وجميع إسرائيل معه ، وصعدوا بهم إلى وادي عجور ، فقال يشوع : كيف كدرتنا