محمد طاهر الكردي

289

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وفي عصرنا الحاضر ، خشية من حصول الأمراض والوباء على الحجاج في منى ، فقد أمرت الحكومة بتخصيص مكان في آخر منى تذبح فيه الحيوانات ، على كافة أنواعها ، ويسمى هذا المكان : ( المجزرة ) في عرف الحجازيين وبالمذبح في عرف المصريين . وهذا أمر مشكور مستحسن ، ولكننا نقترح أن يجعل في أطراف منى عدة مذابح ، ليسهل على الحجيج ذبح الأضحية والفدية ، وما يأكلونه لأنفسهم ، لأن مجزرة واحدة في منتهى منى يصعب على الحاج الذي في أول منى الوصول إليها ، لذلك يضطر أن يذبح الحيوان في محل إقامته من خيمة أو تحت صخرة وإليك ما يأتي من التفاصيل : لسنا نتكلم هنا عن حكم الذبائح وأنواعها وكيفية ذبحها وتفرقتها للمستحقين ، وإنما نتكلم عن الأصل فيها من قديم الزمان ، ناقلين كلام البتنوني في كتابه « الرحلة الحجازية » فإنه قال رحمه اللّه تعالى ما ملخصه : القربان شيء كان يتقرب به الناس من قديم الزمان إلى اللّه تعالى ، وكان يختلف نوعه باختلاف الأزمنة والأمكنة ، وأول ما وصلنا من أمر القرابين أن قابيل بن آدم قرب إلى اللّه شيئا من ثمرات أرضه ، وقرب أخوه هابيل ذبيحة من أبكار غنمه ، قال اللّه تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ . وبعد الطوفان بنى نوح مذبحا للّه قرب إليه فيه كثيرا من الحيوانات ، وكان يحرقها على المذبح ، وكان إبراهيم يتقرب إلى اللّه تعالى بالخبز والخمر ، وقد أمره اللّه أن يذبح له عجلة وعنزا وكبشا وحمامة ويمامة ( انظر سفر التكوين آية 9 و 17 ) كما أمره أن يفتدي ولده الذبيح بكبش يذبحه قربانا ، وذهبت على سنته العرب قبل الإسلام ، ثم المسلمون من بعدهم في أضحيتهم ، وكان بنو إبراهيم يقربون إلى اللّه الذبائح ويحرقونها ، حتى أتى موسى فقسم الذبائح إلى دموي وغير دموي ، وهذا القسم الأخير كان ينحصر في الماشية ، التي كانوا يطلقونها في البرية للّه تعالى ، ومنها أتت السائبة والبحيرة ، والحامي عند العرب : وهي التي كانوا يطلقونها لأصنامهم ، وما زالت فيهم حتى حرمها الإسلام . ومعنى السائبة : الناقة إذا ولدت عشر إناث ليس بينها ذكر سيبت فلم يركب ظهرها ولم يشرب لبنها ولم يجز وبرها .