محمد طاهر الكردي

282

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

الشرعي بينهما وهو ستة دوانق ، فكانوا يوجبون الزكاة في مائة درهم بغلية ، ومائة طبرية ، خمسة دراهم وسطا . وقد اختلف الناس هل كان ذلك من موضع عبد الملك ، أو إجماع الناس بعد عليه كما ذكرناه ، وذكر ذلك الخطابي في كتاب معالم السنن ، والماوردي في الأحكام السلطانية ، وأنكره المحققون من المتأخرين لما يلزم عليه أن يكون الدينار والدرهم الشرعيان مجهولين ، في عهد الصحابة ومن بعدهم ، مع تعلق الحقوق الشرعية بهما في الزكاة والأنكحة والحدود وغيرهما كما ذكرناه . والحق أنهما كانا معلومي المقدار في ذلك العصر ، لجريان الأحكام يومئذ بما يتعلق بهما من الحقوق ، وكان مقدارهما غير مشخص في الخارج ، وإنما كان متعارفا بينهما بالحكم الشرعي ، على المقدار في مقدارهما وزنتهما ، حتى استفحل الإسلام وعظمت الدولة ، ودعت الحال إلى تشخيصهما في المقدار والوزن ، كما هو عند الشرع ، ليستريحوا من كلفة التقدير ، وقورن ذلك أيام عبد الملك فشخص مقدارهما ، وعينهما في الخارج كما هو في الذهن ، ونقش عليهما السكة باسمه وتاريخه ، إثر الشهادتين الإيمانيتين ، وطرح النقود الجاهلية رأسا حتى خلصت ، ونقش عليها سكة ، وتلاشى وجودها . فهذا هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومن بعد ذلك وقع اختيار أهل السكة على مخالفة المقدار الشرعي في الدينار والدرهم ، واختلفت في كل الأقطار والآفاق ، ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما الشرعية ذهنا ، كما كان في الصدر الأول ، وصار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكّتهم بمعرفة النسبة التي بينهما وبين مقاديرهما الشرعية . وأما وزن الدينار باثنين وسبعين حبة من الشعير الوسط ، فهو الذي نقله المحققون وعليه الإجماع ، إلا ابن حزم خالف ذلك وزعم أن وزنه أربعة وثمانون حبة ، نقل ذلك عنه القاضي عبد الحق وردّه المحققون وعدّه وهما وغلطا وهو الصحيح ، واللّه يحق الحق بكلماته ، وكذلك تعلم أن الأوقية الشرعية ليست هي المتعارفة بين الناس ، لأن المتفارقة مختلفة باختلاف الأقطار ، والشرعية متحدة ذهنا ، لا اختلاف فيها ، واللّه خلق كل شيء فقدره تقديرا . انتهى من مقدمة ابن خلدون .