محمد طاهر الكردي

279

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأما السكة فهي النظر بالنقود المتعامل بها بين الناس ، وحفظها مما يداخلها من الغش أو النقص ، إن كان يتعامل بها عددا أو ما يتعلّق بذلك ، ويوصل إليه من جميع الاعتبارات ، ثم في وضع علامة السلطان على تلك النقود ، بالاستجادة والخلوص ، برسم تلك العلامة فيها من خاتم حديد ، اتخذ لذلك ، ونقش فيه نقوش خاصة به ، فيوضع على الدينار بعد أن يقدّر ويضرب عليه بالمطرقة حتى ترسم فيه تلك النقوش ، وتكون علامة على جودته ، بحسب الغاية التي وقف عندها السبك والتخليص في متعارف أهل القطر ، ومذاهب الدولة الحاكمة ، فإن السبك والتخليص في النقود لا يقف عند غاية ، وإنما ترجع غايته إلى الاجتهاد ، فإذا وقف أهل أفق أو قطر على غاية من التخليص وقفوا عندها ، وسمّوها إماما وعيارا يعتبرون به نقودهم وينتقدونها ، فإن نقص عن ذلك كان زيفا ، والنظر في ذلك كله لصاحب هذه الوظيفة وهي دينية بهذا الاعتبار ، فتندرج تحت الخلافة وقد كانت تندرج في عموم ولاية القاضي ، ثم أفردت لهذا العهد كما وقع في الحسبة هذا آخر الكلام في الوظائف الخلافية . انتهى من مقدمة ابن خلدون . ثم قال ابن خلدون في النقود أيضا ، في موضع آخر ، عند الكلام على شارات الملك والسلطان ، ما يأتي : السكة : وهي الختم على الدينار والدراهم المتعامل بهما بين الناس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات مقلوبة ، ويضرب بها على الدينار أو الدرهم فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة ، بعد أن يعتبر عيار النقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسبك مرة بعد أخرى ، وبعد تقدير أشخاص الدراهم والدنانير بوزن معين صحيح يصطلح عليه ، فيكون التعامل بها عددا ، أو إن لم تقدّر أشخاصها يكون التعامل بها وزنا ، ولفظ السكة كان اسما للطابع ، وهي الحديدة المتخذة لذلك ، ثم نقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم ، ثم نقل إلى القيام على ذلك والنظر في استيفاء حاجاته وشروطه ، وهي الوظيفة ، فصار علما عليها في عرف الدول ، وهي وظيفة ضرورية للملك ، إذ بها يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات ، ويتّقون في سلامتها الغش بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة ، وكان ملوك العجم يتخذونها وينقشون فيها تماثيل تكون مخصوصة بها ، مثل تمثال السلطان لعهدها أو تمثيل حصن أو حيوان أو مصنوع أو غير ذلك ، ولم يزل هذا الشأن عند العجم إلى آخر أمرهم .