محمد طاهر الكردي

254

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

أما البلدان العربية فقد سرت الرغبة عند بعض الناس لجمع توقيعات المشاهير ، فيجمعون إمضاءات الملوك ورؤساء الدول والوزراء والأمراء وكبار العلماء ، وكذلك إمضاءات الفنانين والفنانات على اختلاف طبقاتهم وتنوّع فنونهم . ونحن نرى أنه لا بأس بجمع خطوط وإمضاءات العظماء والمشاهير ، في كل علم وفن ، بل وصورهم ورسومهم أيضا ، « فللناس فيما يعشقون مذاهب » إذ الواقع أننا لو عثرنا على كتاب أثريّ قديم يرجع تأليفه إلى نحو خمسمائة سنة أو أكثر ، فإن ثمن الكتاب يكون بحسب قدمه أولا ، ثم بحسب نوع المعلومات التي تكون فيه ، فإذا كان هذا الكتاب بخط نفس مؤلّفه كان ثمنه مضاعفا بدون شك . فجمع الإمضاءات في حد ذاته ليس فيه شيء مطلقا ، فهو من قبيل اقتناء بعض الأمتعة النادرة والأشياء الأثرية ، أما إذا نظرنا إلى شراء الإمضاءات والتوقيعات بمبالغ كبيرة ، فقد يكون ذلك من الإسراف الذي لا يقرّه الشرع الشريف . ولا نبالغ إذا قلنا أن ذلك من الجنون ، وقد قيل في المثل : « الجنون فنون » . ولنا في هذا الموضوع اقتراح لطيف وهو : إننا نحبّذ كثيرا أن يكون لدى كل أمة من الأمم ، عربيّة أو غير عربيّة ، سجلات رسمية خاصة ، تجمع فيها صور ملوكها وعظمائها ومشاهيرها من العلماء والفنانين والتجار والمخترعين ، وأن يكون تحت كل صورة صحيفة واحدة بخط يد صاحبها ، مع توقيع اسمه الصريح ، وإمضائه المشبك ، الذي اعتاد توقيعه بشكل خاص في خطاباته الخاصة ومعاملاته الرسمية ، وأن يكتب تحت كل صورة ملخص تاريخ صاحبها . وأن يكون من هذه السجلات بعضها في مكاتب الملوك الخاصة ، وبعضها في المكتبات العامة ، ليسهل للباحثين والمؤرّخين الاطلاع عليها . ويشبّه هذا تقريبا بدفتر الزيارات ، التي اصطلح الناس على استعماله في المتاحف والمكتبات ونحوهما . فتنفيذ هذا الاقتراح من الحكومات ، بصفة رسميّة ، سيكون له نفع عظيم للأجيال القادمة والأمم الآتية . ولئن كان هذا حديث عهد اليوم وأمر عادي عندنا ، فإنه لرجال المستقبل أمر ذو بال ، وأثر خالد يعتزّون به . واللّه تعالى أعلم بما كان وما يكون فإنه سبحانه علّام الغيوب ، وغفّار الذنوب وستّار العيوب ، لا إله إلّا هو العزيز الغفّار .