محمد طاهر الكردي
250
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
كان أول من فكّر في إصدار طوابع البريد عالم رياضي يدعى البروفسور رولند هيل ، وقد أتته الفكرة فجأة حينما كان يقضي إجازته في إحدى قرى اسكتلندة سنة ( 1838 ) م . واتفق أنه كان واقفا في الطريق ، عندما وصلت عربة البريد ، فرأى الغلام الموزّع يسلّم الخطابات والرسائل لأصحابها الملتفّين حوله ، وهو قابع في مكان الحوذي في أعلى العربة ، وكانت بين الجمهور فتاة جميلة ، ذات شعر أحمر ، تدعى ماري ، جاءت هي الأخرى لترى هل من خطابات لها ، فأعطاها ساعي البريد خطابا تلقفّته بلهفة ، وراحت تقلّبه برهة بيدها أمام الحاضرين ، ثم لدهشة الجميع ردّته إليه وعلامات الألم بادية على محياها وقالت : « يجب أن أعيده إليك لأني لا أملك نقودا » . فرثى مستر رولند لحال الفتاة ، وتطوّع لدفع أجرة البريد عنها ، فتسلّمت الرسالة من جديد بعد أن مانعت طويلا في قبول المساعدة . ولما مضت العربة ، قالت ماري للمحسن : « كان يجب عليك أن لا تدفع شيئا » فاستغرب رولند وسألها : « ألا تريدين قراءة الخطاب ؟ » فأجابته : « بالطبع كلا ، لأني قرأته أمام الجميع » . ثم فتحت الخطاب أمامه فإذا به يحوي قطعة من الورق بيضاء لا كتابة عليها ، وفسّرت الأمر قائلة : « خطيبي جندي يعمل في معسكرات ويلز ، واعتاد أن يكاتبني أسبوعيا ، ولذا وجب عليّ أن أدفع عشرة قروش كل مرة ، إذا أردت أن أحصل على الخطاب . وتصور يا سيدي أن هذه القيمة تعادل مرتبي الأسبوعي ، فمن أين لي الحصول على مأكلي ومشربي وملبسي ، لو ذهب هذا الراتب رسوما للبريد ؟ ولذا استنبطنا نحن الاثنان نوعا من الاصطلاحات الجفرية ، نضعها على الغلاف ، ونتفاهم بها ، فمثلا دائرة صغيرة حول الحروف الأولى من اسمي تعني « أحبك » وإذا كان هناك خط تحت اسم المرسل ، وهو خطيبي ، فمعنى ذلك : « أن الأمور ليست على ما يرام » وصليب صغير في الركن الأيسر من الغلاف يدلّ على عكس ذلك . وهكذا وبهذه الطريقة يمكننا تبادل الرسائل دون أن ندفع مليما واحدا . فحالما استلم الخطاب أقلّبه بيدي وأقرأ ما عليه من علامات ، دون أن يفطن أحد ، ثم أعيد إليه الخطاب متظاهرة بالحزن ، لعدم إمكاني دفع القيمة ، وأظنك رأيتني وأنا أقوم بالدور فما رأيك ؟ » فقال هيل : « الفكرة شيطانية طريفة ، ولكن عيبها أن الحكومة وأصحاب امتياز البريد يتحملون مصاريف خطاباتكما » . وافترق هيل عن الفتاة ، بعد أن قرر في