محمد طاهر الكردي

229

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وحفرا وتخطيطا ، وفي سيرة عمر أيضا أنه لما جاء الشام سنة 17 رتب الشواتي والصوائف ، أي : الجنود التي تغزو في الصيف ، والجنود التي تغزو في الشتاء ، وسدّ فروج الشام ومساكنها وهي النقط العسكرية وخطوط الدفاع . وفي فتوح البلدان ، أن معاوية كتب إلى عمر ، بعد موت أخيه يزيد ، يصف له سوء حال الشام ، فكتب إليه في حرمة حصونها ، وترتيب المقاتلة فيها ، وإقامة الحرس على مناظيرها ، واتخاذ المواقيد لها ، ( والمناظير قباب مبنية على رؤوس الجبال العالية ) بين كل بلد وآخر ، بحيث يتقارب بعضها ويشرف بعضها على بعض ، ويقام فيها حراس يوقدون النيران عندما يرون إقبال العدو من جهتهم ، فيوقد حراس المناظير الذين يلونهم كذلك ، وهكذا حتى يصل الخبر إلى المدينة أو الثغر أو المسلحة في زمن قليل ، فيسرعون لإمداد الجهة التي أقبل منها العدو ، وهذا كذلك يدل على نفاق أسواق الهندسة في البناءات الحربية والمراكز العسكرية ، وفي فتوح البلدان أيضا أن عمر كان يشترط على أهل الذمة إصلاح الجسور والطرق . بدء بناء البيوت بمكة لم تكن معروفة منذ قديم الزمان ، فأول من اكتشفها خليل اللّه إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، وذلك حينما أمره اللّه تعالى أن ينقل ابنه إسماعيل مع أمه هاجر إلى مكة ، فأتى له بالبراق فركبوا عليه من الشام قاصدين مكة ، يدلّهم عليها وعلى معالم الحرم وموضع البيت جبريل عليه السلام ، فقدموا مكة وليس بها أحد من البشر ، فلا بناء ولا ماء ولا شجر مثمر ، اللهم إلّا أشجار العضاه بكسر العين المهملة « بوزن كتاب » وهي أشجار عظيمة ذات شوك ، وهذه الأشجار لا تزال إلى اليوم موجودة في أراضي الحجاز وهي الأشجار الطبيعية ، التي تنبت بنفسها ، وتسمى شجر البادية ، غير أنها كانت في تلك الأيام كثيرة وافرة وضخمة عظيمة لم تمتد إليها يد الإنسان بالقطع والاحتطاب ورفعها من الطرقات ومواضع المساكن ، أما بعد استيطان البشر بمكة ، فقد نقصت هذه الأشجار الشوكية ، بل تكاد أن لا يوجد منها شيء ، في بطن مكة . فلما أقام بمكة إسماعيل مع أمه ، وأظهر اللّه تعالى لهما ماء زمزم ، بفضله وكرمه ، حسبما اقتضته الإرادة الأزلية ، وردت عليهما قبيلة من جرهم ، فاستأذنوهما في النزول عندهما ، ثم أرسلوا إلى أهليهم فقدموا إليهم ، ثم عمرت