محمد طاهر الكردي
210
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وقطاع الطرق ، وفرض عليهم العقوبات الشديدة . حكم مكة نحو خمس وعشرين سنة ، وتوفي بعد بنائه لبيت عرفة بسنتين عن خمس وثلاثين سنة تقريبا . وقد اندثر هذا البيت فلم يبق منه سوى جزء من جدار آيل للسقوط . وبهذه المناسبة ، نأتي بما ذكره ابن جبير ، في رحلته ، التي كانت سنة ( 578 ) عن الدار ، التي كانت بجبل عرفات ، في زمانه . قال رحمه اللّه تعالى : « وفي أسفل جبل الرحمة ، عن يسار المستقبل للقبلة ، دار عتيقة البنيان ، في أعلاها غرف لها طيقان ، تنسب إلى آدم ، عليه الصلاة والسلام ، وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرة التي كان عندها موقف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي في جبل متطامن ، وحول جبل الرحمة . وفي الدار المذكورة صهاريج للماء وجباب ، وعن يسار الدار أيضا على مقربة منها مسجد صغير » . انتهى منه . وقد ذكر أيضا ، ابن بطوطة ، في رحلته ، التي كانت سنة ( 725 ) ، هذه الدار العتيقة ، التي تنسب لآدم ، عليه السلام ، نقول : إن ما ذكره ابن جبير وابن بطوطة ، رحمهما اللّه تعالى ، من نسبة الدار العتيقة إلى آدم ، عليه الصلاة والسلام ، أي أنه تعارف مع حواء بعد هبوطهما من الجنة في هذا المكان ، ليس له أصل مطلقا ، فمن الذي رآهما ورأى أحدهما في مكان هذه الدار حتى نثبتها إليه ، ولم يكن في عرفات ، في تلك العصور الغابرة غيرهما ، ثم أليس جاء بعدهما طوفان نوح ، عليه السلام ، الذي عمّ الدنيا كلها حتى عرفات ، فمن الذي اهتدى إلى هذا المحل ، وقال إنه ملتقى أبينا آدم ، عليه السلام ، مع أمنا حواء ، رحمها اللّه تعالى ورضي عنها ، ثم من وقت الطوفان إلى ما قبل الإسلام ، وإلى ما بعده ، هل ذكر أحد من قريش أو أحد من الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، أن ذلك المحل هو موضع تعارفهما وإقامتهما . كلا ثم كلا . إذن فهذا القول باطل لا أصل له ، وخيال لا حقيقة له ، وهو من طوفان الخرافات ، التي امتلأت الدنيا بها ، ويشبه هذه الخرافة نسبة أولية ضرب الدينار والدرهم لآدم ، عليه السلام ، فقد جاء في كتاب « التراتيب الإدارية » ما يأتي : أخرج ابن أبي شيبة ، في مصنفه ، عن كعب ، أن أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام ، وذكر في آخرها أثرا يرمي إلى قطع المسكوكات النقدية ، وهو قوله : أخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن المسيب ، قال : قرض الدرهم والدينار من الفساد في الأرض . انتهى .