محمد طاهر الكردي
199
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
رحمه اللّه تعالى ، في شرح الرسالة الجدية لابن زيدون ، بعد ذكر أمر قريش وخزاعة وما وقع بينهم ما نصّه : وقد علم من مجموع ما تقدم ، أن سكان مكة في ذلك العهد كانوا قريشا ومن جاورهم من خزاعة ، لكن خزاعة لما ذهبت عنهم رئاسة مكة جاوروا أطرافها شام ويمن ، ولهم بقايا إلى اليوم معروفون بين القبائل . ثم لما جاء الإسلام ، وانتشر الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبناؤهم في الجهاد ، في سائر الجهات ، ورأوا الأراضي المخصبة ، والأوفياء الباردة ، والظلال المتفيأة ، وصارت للقوم فيها أملاك ، رغب أكثرهم في الاستيطان ثمة ، وتبعهم الجم الغفير يذهبون أرسالا إلى مصر والمغرب والشام والعراق ، ليعيشوا مع أبناء جلدتهم في الخصب والسعة والرفاهية والدعة والظلال ، فما مضى ، بعد ظهور الإسلام نحو قرنين ، إلّا ولم يبق في مكة والمدينة من أهليهما إلّا أقل القليل ، مع من جاورهم من مسلمي الآفاق للتشرف بالجوار . وكان من عادة ملوك مكة أن ينادي مناديهم ، بعد أداء مناسك الحج : « يا غريب بلادك » . هي عادة اتخذت من زمن الفاروق ، رضي اللّه عنه ، فإنه كان يأمر أن ينادي يومئذ : « يا أهل الشام شامكم يا أهل اليمن يمنكم » وذلك لئلا يكثر المجاورون ، فيستأثرون ، بما لهم من الثروة ، بأرزاق أهل مكة فيضيقون ، وقد تركت هذه العادة من مدة طويلة ، ولم يبق من آثارها ، إلا أن عوام باعة الأرزاق ، بعد أداء الحج ، يلهجون بقولهم : « يا غريب بلادك » ، ويزيد بعضهم : « شور الأمانة لا تبات الليلة » وقد كثر المجاورون ، وزاحموا أهل مكة في جميع الوظائف وأسباب المعاش ، أما الصرور والمرتبات ، من حنطة الجراية وغيرها ، والخلاوي أي الحجر في الأربطة والمدارس ، التي اتخذت في الأصل لطلبة العلم أو الفقراء الأهالي ، بما هو مخصص لها من مرتبات ، فقد كاد أن يستفرغه مجاوروا الأتراك لمناسباتهم ، مع مأموري الحكومة ، وصار أهل مكة المتأثلون بها فقراء ، ولا يكاد الواحد منهم أن يحصل على ما يقوم به أوده . ثم ليعلم ، أنه ليس مرادي بأهل مكة هنا الأصليين ، الذين هم من ذرية قريش البطاح أو المهاجرين أو الأنصار ، الذين تناسلوا وتعاقبوا بمكة والمدينة من يومها إلى اليوم ، فإنه ليس بمكة ولا بالمدينة من يقطع أو يظن أنه من ذرية أولئك ، بالمعنى المنوه به سوى الشيبيين ، فإن بقاء مفتاح الكعبة بأيدي هذه العائلة ، خلفا عن