محمد طاهر الكردي

159

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

كسابق الأيام ، وعلى كل حال فبحرة هي المحطة الرئيسية بين مكة وجدة من قديم الزمان إلى اليوم . ولا ندري ما سبب تسميتها بذلك على أنه من زمن قديم تسمى « بحرة » ولم نقف على تسميتها بغير ذلك . لكن رأينا في كتاب « رحلة ابن جبير الأندلسي » ، الذي ابتدأ بتقييدها في يوم الجمعة ثلاثين شوال سنة ( 578 ) ثمان وسبعين وخمسمائة هجرية ، فساح في الأقطار على متن البحار ، حتى أتى الحرمين الشريفين ، أن بحرة كانت تسمى « قرين » كما يظهر من كلامه فإنه قال : وصلنا إلى جدة ظهر يوم الثلاثاء الرابع من ربيع الثاني من السنة المذكورة ، ثم بعد أن وصف جدة وما بها قال : وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور ، كان انفصالنا من جدة ، قال : وأسرينا تلك الليلة إلى أن وصلنا « القرين » ( بضم القاف أو كسرها ) مع طلوع الشمس ، وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحطّ رحالهم ، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه ، فإذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبّحوا الحرم الشريف ، زاده اللّه تعالى تشريفا وتعظيما ، والصادرون من الحج ينزلون به أيضا ويسرون منه إلى جدة ، وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة ، والحاج بسببها لا يحتاجون إلى التزود بالماء ، غير ليلة إسرائهم إليه . قال : فأقمنا بياض يوم الأربعاء مريحين بالقرين ، فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة ، فأسرينا ليلتنا تلك ، فكان وصولنا مع الفجر ، قرب الحرم ، فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء ، ودخلنا مكة ، حرسها اللّه تعالى ، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور . . . إلى آخر كلامه . فظهر لنا هنا من كلامه ووصفه أن المقصود من كلمة « قرين » في عصر ابن جبير المذكور ، هو « بحرة » لأن وصفه هذا ينطبق على بحرة تمام الانطباق . لكن هل كانت بحرة تسمى بقرين في صدر الإسلام أم لا ، اللّه أعلم بذلك ، فإنا لم نبحث عن هذا . وأما في زماننا فقرين « بضم القاف وكسرها » يطلق على جبل بعرفات وربما كان جبل الرحمة نفسه ، وقول ابن جبير : إن الحاج يحرم من القرين وأنه هو نفسه مع من معه أحرموا منه بعمرة ، حينما قاموا منه قاصدين مكة قوله هذا خطأ ، فالحجاج يحرمون من الميقات ، ولا يحرمون من جدة أو من بحرة ، فمن أحرم من أحدهما من الحجاج وجب عليه الدم لتركه الميقات ، وأما أهل جدة أو أهل بحرة فيحرمون من نفس بلدتهم ، واللّه تعالى أعلم .