محمد طاهر الكردي

144

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأما المكان الذي يسعى فيه الآن ، فلا يتحقق أنه بعض من المسعى ، الذي سعى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو غيره ، فكيف يصح السعي فيه وقد حول عن محله كما ذكر هؤلاء الثقات . ولعل الجواب عن ذلك : أن المسعى في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان عريضا ، وبنيت تلك الدور بعد ذلك في عرض المسعى القديم ، فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام ، وترك بعضها للسعي فيه ، ولم يحول تحويلا كليا ، وإلا لأنكره علماء الدين ، من الأئمة المجتهدين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، مع توفرهم إذ ذاك ، فكان الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، رضي اللّه عنهما ، والإمام مالك بن أنس ، رضي اللّه عنه ، موجودين يومئذ وقد أقروا ذلك وسكتوا ، وكذلك من صار بعد ذلك الوقت في مرتبة الاجتهاد كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وبقية المجتهدين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ، فكان إجماعا منهم ، رضي اللّه عنهم ، على صحة السعي من غير نكير نقل عنهم . وبقي الإشكال في جواز إدخال شيء من المسعى في المسجد ، وكيف يصير ذلك مسجدا ، وكيف حال الاعتكاف فيه ، وحله بأن يجعل حكم المسعى حكم الطريق ، فيصير مسجدا ويصح الاعتكاف فيه ، حيث لم يضر بمن يسعى فاعلم ذلك ، وهذا مما انفردت ببيانه وللّه الحمد على التوفيق لتبيانه . انتهى من تاريخ القطبي . ومما يشبه ما ذكره الإمام القطبي في تاريخه عما أخذ من أرض المسعى وأدخل في المسجد الحرام ، فأحدث في زماننا في التوسعة السعودية للمسجد الحرام ، وتكسير شيء من جبل الصفا إلى جبل المروة ، زيادة في عرض المسعى ، وليكون منظره جميلا في رأي العين ، وذلك في سنة ( 1377 ) هجرية ، فإن هذه الحادثة تشبه ما ذكره الإمام القطبي لكن مع الفارق ، فما ذكره القطبي عبارة عن إدخال جزء من المسعى في المسجد الحرام ، وأما ما نذكره فهو عبارة عن إدخال جزء من جبل الصفا إلى حدود المسعى . فمما لا شك فيه أن هذا الجزء المأخوذ من جبل الصفا ، في زماننا هذا ، والمدخول في حدود المسعى ، لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الكرام قد سعوا في هذا الجزء المستحدث اليوم ، فعلى هذا لا يجوز السعي في هذا الجزء المأخوذ الآن من هذا الجبل ، كما لا يجوز السعي بين الدرج الجديدة المستحدثة الآن وبين المروة