محمد طاهر الكردي
119
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
وأدخل بعضها في المسجد الحرام ، وترك بعضها للسعي فيه ، ولم تحول تحويلا كليا ، وإلّا لأنكره علماء الدين من الأئمة المجتهدين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين مع توفرهم إذ ذاك ، فكان الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن ، رضي اللّه عنهما ، والإمام مالك بن أنس ، رضي اللّه عنه ، موجودين بمكة يومئذ ، وقد أقروا ذلك وسكتوا عليه ، وكذلك من صار بعد ذلك الوقت في مرتبة الاجتهاد ، كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وبقية المجتهدين رضوان اللّه عليهم أجمعين فكان إجماعا منهم ، رضي اللّه عنهم ، على صحة السعي من غير نكير نقل عنهم . قال : وبقي الإشكال في جواز إدخال شيء من المسعى في المسجد الحرام ، كيف يصير ذلك مسجدا ، وكيف يصير حال الاعتكاف فيه . وحلّه بأن يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام ، وقال علماؤنا : يجوز إدخال الطريق في المسجد إذا لم يضر بأصحاب الطريق فيصير مسجدا ويصح الاعتكاف فيه ، حيث لم يضر بمن يسعى ، فاعلم ذلك . قال القطبي : وهذا ما تفردت ببيانه وللّه الحمد على التوفيق لتبيانه . اه . أصل السعي وحكمته لم نفهم حكمة معقولة في السعي ، مع أن السعي والمشي الطويل بين الصفا والمروة متعب جدا ، حتى أن كثيرا من الناس بمكة يحبون أن يأتوا بعمرة في رمضان أو غيره ، لكن يتقاعسون عنها لأجل تعب السعي ، كما لم نفهم الحكمة في رمي الجمار ، والفلسفة في بعض الأمور الدينية ، بدون استناد إلى نصّ أو دليل ، لا تنبغي . ونرى أن مسألة السعي ورمي الجمار ونحوهما أمر تعبّدي ليس للعقل فيه مجال ، فلقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن رمي الجمار ، فقال : « اللّه ربكم تكبرون وملّة أبيكم إبراهيم تتبعون ووجه الشيطان ترمون » . ولهذا قال بعضهم عن رمي الجمار : لو كان قصد بالرمي النكاية لجاز بنحو النشّاب ، أو الإهانة لجاز بنحو البعر ، أو الإكرام لجاز بنحو النقد ، فلم يبق إلا التعبد المحض واتباع النص . أما أصل السعي : فسببه أم إسماعيل « هاجر » ، وذلك حينما سعت ، ومشت بين الصفا والمروة ، حينما خافت على ولدها إسماعيل أن يموت من الجوع والعطش .