محمد طاهر الكردي
5
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
مكة في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذا نظرنا إلى الوراء إلى أربعة آلاف سنة بل أكثر من ذلك ، وجدنا أن مكة ، شرفها اللّه تعالى وأدام خيرها ورخاءها ، كانت في عهد خليل اللّه إبراهيم عليه أفضل الصلاة والتسليم بل وقبل عهده في شكل غير هذا الشكل اليوم ، وفي صورة غير هذه الصورة التي نراها في عهدنا ، بل كانت غيرها أيضا في صدر الإسلام في عهد الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين . إذا سبحنا في عالم الأفكار ، وتخلينا الدهور الماضية ، وتأملنا في غابر الأزمان السحيقة ، وجدنا أن مكة المكرمة كانت مليئة بأشجار الشوك والسلم ، ليس فيها خضرة ولا ماء ، ولا حيوان ولا نبات ، ولا إنس ولا جن ، وأنها كانت الجبال فيها عالية شامخة ، فلقد كانت الجبال في ذلك العهد السحيق عالية مرتفعة ضعف ما عليها اليوم ، فلقد ارتفعت الأرض بجميع جهات مكة عما كانت عليه في ذلك العهد البعيد ، وذلك بسبب طمر الأرض وسفوح الجبال بما تأتي به السيول من الأحجار والتراب وما تنزلها الأمطار من الأحجار والصخور والأتربة من فوق الجبال فتتد حرج كلها على وجه الأرض وسفوح الجبال ، وبما يردمه الناس من الحفر والدمار والحجارات فيضعون كل ذلك على الأرض وسفوح الجبال ، ومن هنا ظهرت جبال مكة قصيرة عما كانت عليه في زمن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والتسليم ، ولقد وقفنا في عصرنا الحاضر على هدميات المسجد الحرام من جهة جبل قعيقعان أي من جهة الشامية فوجدنا أن الأرض في هذه الجهة قد ارتفعت عن أرض المسجد الحرام بأكثر من عشرين مترا - هذا وأن طرقات مكة في ذلك العهد البعيد كانت مليئة بالصخور والأحجار والرمال والحصى تتخللها أشجار الشوك والعضاة ، أرض قفرة فقرة ، نظيفة طاهرة ، ليس فيها شيء من القاذورات والنجاسات أبدا ، لأنها لم تكن مسكونة بالإنسان والحيوان - ولم تكن أرض مكة سهلة مستوية بل كانت منخفضة منعرجة لو مشى إنسان عليها لتعب من كثرة المرتفعات والمنخفضات وما يعترضه من الصخور والأحجار . فأول بدء الإصلاح فيها كان في عهد خليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، منذ أن أسكن بمكة ابنه إسماعيل وأمه هاجر عليهم الصلاة والسلام ، ومنذ أن قدم عليهما نفر من قبيلة جرهم .