محمد طاهر الكردي
17
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
أو هابطين في الجنوب إلى اليمن ، فمهروا في التجارة وتضخمت رؤوس أموالهم وبلغت قوافلهم التجارية ألف بعير في عهد غزوة بدر ، مضافا إليها خمسون ألف دينار منقولة بين أثقالهم ، وهي نسبة لها قيمتها المادية إذا قيست بالثروات في عهدها وبلغ من ثراء قريش أنها استطاعت في الغزوة نفسها أن تفتدي أسراها من المكيين بأربعة آلاف درهم إلى ألف درهم ، إلا من عفا عنهم النبي صلى اللّه عليه وسلم من المعدمين . ويقول أيضا عن الناحية الاجتماعية : ووهم بعض المؤرخين في إدراج مكة مدارج القبائل من أحياء العرب ، وحسب آخرون أنها كانت نزلة يمضي عليها ما يمضي على نزل العرب وقراهم في آفاق الجزيرة ، ولكن شيئا من الاستقراء ينتهي بنا إلى غير هذه النتيجة ، فالقرآن سماها في أكثر من مرة ( أم القرى ) وفي هذا ما يشير إلى ميزتها في مستوى من حولها من منازل الجزيرة وقراها ، والقرآن خاطبها بمعان ليس من يعتقد أنها غريبة عنها ، فتحدث عن المشكاة والمصباح والزجاج ، وعن المساكن يعرج إليها بالمعارج ، وتحدث عن أنواع من الطيب ؛ كالكافور والزنجبيل والمسك ، وأنواع من الأثاث المترف ؛ كالنمارق والزرابي والسرر والفرش المبطنة بالاستبرق والسندس ، وأنواع الأواني من الفضة ؛ كالقوارير والأكواب والكؤوس ، وأنواع من الحلي ؛ كالمرجان ، واللؤلؤ ، كما حدثهم عن القراطيس والكتب والسجلات والصحف والأقلام والمداد ، وأشار في كثير من آياته إلى النحاس والحديد والفخار والصحاف والجفان والقدور - ولا يقول إنسان أن القرآن كان يخاطبهم بما لا يفهمون مدلوله من الألفاظ وأنه كان يشير إلى معان غريبة عنهم . إذا فبيئتهم كانت تعرف هذه المعاني معرفة من اختلط بها واندمج فيها ، وفي هذا من الأدلة ما يقوم بحجتنا على من وهم من المؤرخين ، وفيه ما ينطق بأن مكة كانت في ذلك العهد قد أخذت بطرف غير يسير من أسباب الحضارة الخاصة بجيلها الذي تعيش فيه . وليس في هذا ما يدعو إلى الاستغراب ، فقد كان المكيون من قريش يضربون في مناكب الأرض بين اليمن والشام والعراق وفارس والهند ومصر والحبشة ، ويتصلون في رحلاتهم هذه بالقصور المشيدة والعمران الفخم وألوان من الحضارة