محمد طاهر الكردي

10

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ويقول أيضا عن منازل القبائل في مكة : ويستطيع الباحث أن يستنتج أن العمران في مكة في عهدنا الذي ندرسه نشط نشاطا طيبا ، فبعد أن تركنا المضارب تتباعد على حوافي وادي إبراهيم من أعلى مكة إلى أسفلها ثم تعرج في ناحية منها إلى مداخل الشامية اليوم نحو قعيقعان ، نجدها الآن وقد اتصلت وتكاثفت واتخذت كل قبيلة منزلها من الوادي وشعابه ، ولم يزحف عمرانهم إلى مرتفعات الجبال وأكتافها كما نفعل اليوم بل ظل مستويا باستواء سطح الوادي . فقد ذكروا أن قصيا خط للكعبة ساحة توازي صحن المسجد اليوم ، وأباح للناس أن يبنوا دون ذلك حول مدارها من الجهات الأربع ، وكانوا لا يبيحون لأنفسهم قبل قصي السكنى أو المبيت بجوار الكعبة ، ثم أمرهم أن يجعلوا بين بيوتهم مسالك يفضون منها إلى ساحة الكعبة ، وأهم هذه الطرق طريق شيبة وهو في مكان باب بني شيبة اليوم ، ولم يبوب ساحة الكعبة أو يسورها ، كما أمر بأن لا يرفعوا بيوتهم عن الكعبة لتظل مشرفة عليها ، وكانوا يتخذون مجالسهم العامة في أفيائها ، كما بنى دار الندوة لاجتماعاتهم الخاصة . وفي استطاعتنا أن نرسم خطوطا تقريبية لخريطة مكة نبين فيها باختصار مواقع البطون في مكة يومها ، وسير العمران بين شعابها ، اعتمادا على ما ذكره الأزرقي في تخطيطه مواقع القبائل في كتابه أخبار مكة . ولتوضيح ذلك في الأذهان نستطيع أن نجعل من باب بني شيبة نقطة ابتداء لتخطيطاتهم ، فقد كان موضع ارتكاز الحركة العمرانية في أم القرى ، كما كان أهم مداخل المسجد الحرام ، وكانت البيوت تتكاثف حوله متجهة في الشرق إلى ( حصوة ) باب علي ، وفي الشمال قليلا إلى ( حصوة ) باب السلام تنزلها بطون من غساسنة الشام وبعض السفيانيين وتتخللها متاجر للعطارين ، فإذا مضى بنا الخط مستقيما إلى جهة باب النبي ، واجهنا بيت العباس ودار جبير بن مطعم ودورا لبني عامر بن لؤي ، واستقام أمامنا زقاق أصحاب الشيرق ، وهو إلى جانب زقاق الحجر حيث تقوم دار لابن علقمة ودور أخرى لآل عدي من ثقيف . فإذا نفذنا من ذلك إلى شارعنا العام في القشاشية متوجهين إلى أعلى مكة ، استقام أمامنا سوق كانوا يسمونه سوق الفاكهة ثم سوق الرطب ، ثم رباع كانت لبعض بني عامر ، وعند سوق الليل تصافحنا الدار التي كانوا يسمونها دار مال اللّه وكانوا ينفقون فيها على المرضى ويطعمونهم . وبالقرب من الدار يلتوي