محمد طاهر الكردي
558
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
قال الرومي وقد ظهر عليه بعض الحزن : " ألم أقل لكم إني كنت مشفقا أن يسؤكم حديثي ، وإني كنت راغبا عن أن أؤذيكم ! " . قال فتى من القوم : " فإنك لم تؤذنا وإن حديثك لم يسؤنا ، وإنك لم تظهرنا بعد على هذا الحديث . ولكن في صفوان حدة وسرعة إلى الغضب وسيما حين يثقل عليه الشراب ، فامض في حديثك راشدا ، وأشركنا في هذا الهم الذي غير سيرتك منذ الليلة " . قال صفوان : " ما أدري ماذا عرض لي ! فإن حديثك لم يسؤني ولم يؤذني ، وإنما أخذت في الدعابة حين سمعتك تتحدث عن الآلهة ، فما أسرع ما استحالت الدعابة إلى جد مر ، فامض في حديثك وخلاك ذم " . قال الرومي : " أقبلوا على شأنكم ، وخذوا في لهوكم ، أو تفرقوا إلى بيوتكم فقد تقدم الليل " . وأحس القوم أن نفس الرومي مقسمة بين الغضب والخوف ، فعادوا إلى الرفق به والتلطف له ، حتى ردوه الأمن والهدوء ، ثم مضوا يسألونه عن حديثه ، ويلحون عليه في أن يتمه . قال الرومي : " أتعرفون أني نصراني ؟ " . قال صفوان : " نعرف أنك نصراني كغيرك من الروم ، لكنا لم نر منك قط إقبالا على الدين ، ولا إمعانا في النسك " . قال الرومي : " فاعلموا أني لست نصرانيا ، أو اعلموا أني لم أخلص للنصرانية قط ، وأني لم أقدم على بلدكم هذا النائي البعيد من بلاد الروم لأسقيكم الخمر وأسمعكم الغناء ، وإنما أقبلت إليكم مهاجرا بهذه الوثنية التي كنت أخفيها في بلادي من أرض الروم ، وأجد في إخفائها جهدا لا يحتمل ، وعناء لا يطاق " . فلما سمع القوم من حديث الرومي عجبوا له ، وشغفت نفوسهم بالقصة فأصغوا إليه أشد الإصغاء . قال الرومي : " إنكم لا تعرفون من أمرنا نحن الروم أقله وأيسره . وإنكم لتجهلون وثنيتنا القديمة كما تجهلون نصرانيتنا الحديثة . ولو قد علمتم من أمرنا أكثر مما تعلمون لكان فهمكم عني أعمق وأصدق إن وثنيتنا القديمة ليست من اليسر والسذاجة بحيث ترون ما ترون ما أنتم عليه من دين ، فإن لآلهتنا القدماء