محمد طاهر الكردي

555

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وتصرفون عما تألفون . ولكن ثقوا أني لم أقدم على ذلك راغبا فيه ، وإنما دفعت إليه مكرها عليه " . قال صفوان بن أمية : " فإنا ما نشك في أنك لم تلقنا بهذا الإعراض والفتور إلا وقد عرض لك من الأمر ما اضطرك إلى ذلك . وقد عودناك أن نفضي إليك بأسرارنا وجلية أمورنا ، لا نخفي عليك منها شيئا . فأفض إلينا بدخيلة نفسك وجلية أمرك ، فلعلنا أن نكون عندما تحب من المعونة لك والترفيه عليك " . قال صاحب الحان : " فإني أخشى أشد الخشية ألا تملكوا لي من هذا الأمر الطارئ شيئا " . قال صفوان : " إنك ضيفنا وجارنا وصديقنا ، وصاحب لذتنا وشريكنا في هذه اللذة . فلسنا لقريش إذا أن بخلنا عليك بالمعونة ، أو آثرنا أنفسنا بالأمن والراحة والنعيم من دونك . وإنك لتعرف من قريش قراها للضيف ، ووفاءها للجار ، وبرها بالصديق ، وأداءها للحقوق " . قال صاحب الحان : " فإن هذا الأمر الطارئ ليس مما تظنون في شيء ، وإني لا أدري كيف أباديكم به وأتحدث إليكم فيه . ولو أن الذي عرض لي كان مما تعودتم أن تردوه عن الضيف والجار والصديق لما أبطأت في أنبائكم به وإظهاركم عليه . ولكنه لون آخر من الأمر لم تتعودوا أن تروه ، وضرب آخر من الخطب لم تتعودوا أن تشهدوه . وما أدري أتفهمون علي إن تحدثت إليكم بما عرض لي ! وما أدري أترضون إن فهمتم ما ألقي إليكم من الحديث أم تسخطون ! فإنه أمر غريب حقا ! غريبا حقا ! " ثم أطرق الرومي وترك هؤلاء الفتيان من شباب قريش وقد أخذهم شيء يسير من الوجوم بهذا الحديث الغريب ، وجعلوا يتقارضون فيما بينهم ألحاظا قصارا سراعا . ثم رفع الرومي إليهم رأسه ، فلما رآهم على هذه الحال ابتسم لهم رفيقا بهم ، وقال في صوت هادئ بعيد : " ما أحب لكم أن تصرفوا عن أمر لذتكم إلى هذا الأمر الذي ما آراه يعنيكم من قريب أو بعيد ، فعودوا إلى ما كنتم فيه موفورين . ولو استطعت لشاركتكم في اللهو ، ولأعنتكم عليه ، ولكن نفسي محزونة منذ الليلة حقا " . قال صفوان : " فإنا لن نتحول عنك إلى لذتنا ، ولن ننصرف عنك إلى بيوتنا حتى نعلم علمك ، وحتى نرى أقادرون نحن على أن نعينك أم عاجزون عن أن