محمد طاهر الكردي
521
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
اللّه وإياك إلى أعمال السابقين رحمهم اللّه تعالى ، فإذا كان هذا حال سلاطينهم وملوكهم فكيف يكون حال علمائهم وفقرائهم . اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه آمين . عادة العرب في إصلاح ذات البين في الحجاز عادة العرب عندنا في إصلاح ذات البين وفض الخصام ، يعرفها جميع قبائل العرب والبدو في القرى والبوادي ، لا يشذ عنها أحد منهم . وهي : أنه لو حصل خصام بين الوالد وولده ، أو بين ذوي الأرحام والقرابة ، أو بين الأصحاب ، فإن العرب والبدو لا يتركون الخصومة تسري بينهم مدة طويلة ، وإنما يقوم العقلاء وذوي الشأن منهم ، بالتدخل بينهم ، لرفع الخصام ، والتوسط بينهم لإصلاح ذات البين . فيعملون اجتماعا ويحصل التحقيق بين المتخاصمين ، فمن ثبت عليه التعدي والخطأ ، يفرضون عليه جزاء ، وهو تقديم ذبيحة أو ذبيحتين أو أكثر ، مع ما يتبعه من الرز والسكر وقهوة البن والتمر ، وأحيانا يفرضون عليه فوق ذلك دفع نقود معلومة ، وذلك بحسب نوع الجريمة وقدرة المخطئ . ثم يذهبون بالمخطئ مع هذه الأشياء ، إلى بيت صاحب الحق فيدفعون كل ذلك له ، فيقوم المخطئ بأخذ خاطره من تقبيل رأسه أو يده ويشفع الحاضرون فيه عنده ، فيسامحه ويصفح عنه . فعندئذ يذبحون الذبيحة ويطبخون أكلهم ويأكلون جميعهم في بيت الرجل ، ثم يخرجون وقد حصل العفو والتسامح وجرت المياه في مجاريها كما ينبغي ، وزال الشر . هكذا عادة العرب في إزالة الخصومة والعداوة ولو في مسائل الرقاب قبل وصولها إلى الحاكم والحكومة . وهذه العادة ما زالت موجودة في مكة المكرمة ، لكن عند أهل الحارات ومشايخها ، فإنهم يعملون الصلح ويزيلون الخصومة بالطريقة المذكورة . أما الخصومة فيما بين الموظفين ، فإنها قد تزال بواسطة بعضهم لبعض ، هذا هو الحال عندنا في عرب الحجاز كافة . أما عشائر العرب في اليمن والشام ومصر والعراق ، فأعتقد أن عاداتهم في هذا الشأن تقارب عاداتنا ، وإذا وجد فرق ، فإنه فرق بسيط ، وهي عادة ممدوحة شرعا ، لأنها واسطة في إزالة الخصومات وفي الصلح ، والصلح خير . وهناك